بقلم زكية لعروسي
في السياسة الاقتصادية ليس المهم فقط ما يباع… بل أين يعرض, وأين يعلن. فقد يبدو مشهد ظهور وزيرة الاقتصاد والمالية المغربية نادية فتاح العلوي على قناة BFMTV الفرنسية لشرح تداعيات الحرب على الاقتصاد المغربي مشهدا غريبا في نظر كثير من المغاربة. ليس لأن الوزيرة تحدثت عن الاقتصاد، بل لأن المكان الذي اختارت أن تتحدث منه كان بعيدا عن الأذن التي تنتظر الكلام. فالمغاربة كانوا ينتظرون خطابا يخرج من الرباط، فإذا به يخرج من باريس. في الظاهر يبدو الأمر مجرد اختيار إعلامي، لكن في الجيو-اقتصاد المنابر ليست مصادفات. المنبر في كثير من الأحيان هو نصف الرسالة. الحكومات لا تتحدث فقط إلى شعوبها، بل تتحدث أيضا إلى الأسواق، إلى المستثمرين، إلى البنوك، إلى وكالات التصنيف الائتماني التي تراقب الدول كما يراقب الفلاح السماء في موسم الزرع. كلمة واحدة قد ترفع الثقة، وكلمة أخرى قد تزرع الشك في الأسواق.
حين تخرج وزيرة مالية دولة نامية لتتحدث عبر قناة دولية، فهي غالبا لا تخاطب المواطن البسيط الذي ينتظر أن يعرف كم سيصبح ثمن الغاز أو الخبز، بل تخاطب أولئك الذين يجلسون في غرف زجاجية في لندن وباريس ونيويورك، يقررون أين تذهب الأموال وأين تتراجع. في عالم المال، الثقة سلعة حساسة، تشبه البيض في سلة على ظهر حمار؛ اهتزاز صغير قد يكسرها كلها. لكن اختيار فرنسا بالذات يحمل أيضا معنى أعمق من مجرد منصة إعلامية. فالعلاقة الاقتصادية بين المغرب وفرنسا تشبه شجرة قديمة جذورها ممتدة في التاريخ. الشركات الفرنسية من أكبر المستثمرين في المغرب، والبنوك الفرنسية حاضرة في كثير من القطاعات الحيوية، والتبادل التجاري بين البلدين يشكل جزءا مهما من حركة الاقتصاد المغربي. لذلك عندما يسمع المستثمر الأوروبي وزيرا مغربيا يتحدث من باريس، فهو يشعر بأن الرسالة موجهة إليه مباشرة: لا تقلقوا، السفينة ما زالت مستقرة رغم الأمواج. في هذا السياق يصبح اختيار قناة فرنسية نوعا من طمأنة الأسواق الأوروبية بأن المغرب قادر على التعامل مع اضطرابات الطاقة والتجارة العالمية التي ولّدتها الحرب في الشرق الأوسط. فالمغرب بلد يستورد معظم حاجته من الطاقة، وأي ارتفاع كبير في الأسعار يضغط على الميزانية وعلى القدرة الشرائية للمواطنين. لذلك تحرص الحكومات في مثل هذه اللحظات على إرسال إشارات إلى الخارج تقول إن الأمور تحت السيطرة، وإن الدولة قادرة على تدبير الصدمات.
غير أن ما يراه خبراء الاقتصاد رسالة طمأنة للأسواق، يراه المواطن العادي شيئا آخر تماما. فالمواطن لا يقرأ الجيو-اقتصاد، بل يقرأ الرموز. وعندما يرى مسؤولة في حكومته تشرح مستقبل الاقتصاد عبر قناة أجنبية قبل أن تشرح ذلك عبر الإعلام الوطني، يشعر بأن الخطاب لم يكن موجها إليه أصلا. هنا يبدأ الشعور الذي عبّر عنه كثيرون بعبارات ساخرة: كأن الرسالة أرسلت إلى الجيران قبل أن تصل إلى أهل البيت. في الثقافة الشعبية المغربية هناك مثل يقول: “الدار أولى من الجامع”. أي أن ما يخص أهل البيت يجب أن يقال أولا داخل البيت. وعندما يحدث العكس يبدأ الشك في التسلل، ليس لأن الناس يرفضون الحديث مع الخارج، بل لأنهم يريدون أن يسمعوا الكلام أولا من مصدره. فالمواطن الذي يعيش ضغط الأسعار وقلق المستقبل لا ينتظر خطاباً دبلوماسياً بقدر ما ينتظر كلمة تطمئن قلبه. هنا يظهر التناقض بين منطق السياسة المالية ومنطق الشعور الشعبي. الأول يتعامل مع الاقتصاد كشبكة علاقات عالمية، حيث الثقة الدولية يمكن أن تحمي العملة والاستثمارات. أما الثاني فيتعامل مع الدولة كعائلة كبيرة، ومن حق أفراد العائلة أن يسمعوا الخبر من رب البيت قبل أن يسمعه الجيران.
يزيد من حساسية المسألة أن العلاقة مع فرنسا ما زالت تحمل ظلال التاريخ. ففرنسا كانت القوة الاستعمارية في المغرب حتى منتصف القرن العشرين، وما زال حضورها الثقافي والاقتصادي قويا في الحياة اليومية. لذلك حين يمر خطاب رسمي مغربي عبر الإعلام الفرنسي، يشعر بعض الناس وكأن الزمن يعود خطوة إلى الوراء، وكأن الرسائل الكبرى ما زالت تمر عبر باريس قبل أن تصل إلى الرباط. لكن الصورة في الواقع أكثر تعقيدا من هذه القراءة الرمزية. المغرب اليوم يحاول أن يوازن علاقاته بين عدة قوى اقتصادية: أوروبا، الولايات المتحدة، الصين، وشركاء جدد في أفريقيا. في هذا العالم المتشابك تصبح الرسائل الإعلامية جزءاً من لعبة النفوذ الاقتصادي. الدولة تحاول أن تظهر بمظهر الاقتصاد المستقر القادر على جذب الاستثمارات، خصوصاً في زمن الاضطرابات العالمية.
غير أن المشكلة ليست في مخاطبة الخارج، بل في ترتيب الأولويات. فكما يقول مثل مغربي آخر: “اللي خرج من داره قل مقداره”. أي أن من ينسى أهله وهو يخاطب الآخرين يفقد شيئا من مكانته. وفي زمن الشبكات الاجتماعية لم يعد بالإمكان أن ترسل رسالة إلى الخارج دون أن يراها الداخل في اللحظة نفسها. لهذا بدا المشهد للكثير من المغاربة مثل صورة غريبة: سفينة ترفع الأشرعة في الميناء بينما ركابها في الداخل ما زالوا يتساءلون إلى أين تتجه الرحلة. ليس لأن الربان لا يعرف الطريق، بل لأنه اختار أن يشرح الخريطة للبحارة في السفن المجاورة قبل أن يشرحها لركاب سفينته. قد يكون اختيار المنبر قرارا تقنيا في نظر صناع السياسة الاقتصادية، لكنه في نظر الشعوب قرار رمزي بامتياز. الاقتصاد ليس مجرد أرقام في ميزانية الدولة، بل هو أيضا علاقة ثقة بين الدولة ومواطنيها. وهذه الثقة، مثل الزجاج، إذا تشقق قليلا يصبح إصلاحه أصعب بكثير من كسره.
