بقلم زكية لعروسي
في لحظة يتقاطع فيها الاقتصاد بالحرب، أعلنت دول أعضاء وكالة الطاقة الدولية عن خطوة استثنائية: الإفراج عن نحو 400 مليون برميل من النفط من الاحتياطيات الإستراتيجية. قرار وصفه كثيرون بأنه الأكبر منذ تأسيس الوكالة عام 1974، عقب أزمة النفط 1973 التي هزّت الاقتصاد العالمي وغيرت قواعد اللعبة الجيوسياسية للطاقة. القرار جاء في ظل تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وتعطل الملاحة في مضيق هرمز، الشريان البحري الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل ما يحدث مجرد رد فعل اقتصادي على أزمة طارئة، أم أننا أمام فصل جديد من صراع الطاقة العالمي؟ وهل أصبح النفط السلاح الصامت في الحروب الحديثة؟
في الظاهر، يبدو القرار اقتصاديا بحتا: ضخ النفط في الأسواق لتهدئة الأسعار ومنع صدمة طاقية جديدة. فالعالم يستهلك اليوم نحو 100 مليون برميل يوميا، ما يجعل أي اضطراب في الإمدادات كفيلا بإشعال التضخم وتعطيل سلاسل الإنتاج. لكن في العمق، النفط لم يكن يوماً مجرد سلعة. إنه أداة قوة جيوسياسية. فكل برميل يخرج من الاحتياطي الاستراتيجي يحمل رسالة مزدوجة:
– طمأنة الأسواق بأن الدول الصناعية قادرة على امتصاص الصدمات
– إشارة سياسية بأن الغرب لن يسمح باستخدام الطاقة كسلاح اقتصادي
– هذا ما يجعل القرار أقرب إلى حركة دفاعية في لعبة شطرنج جيوسياسية أكثر منه مجرد تدخل تقني في السوق

لكن السؤال يبقى معلقا: لماذا لم تنخفض الأسعار رغم القرار؟ المفارقة أن الأسواق لم تتفاعل بقوة مع الإعلان. بل إن أسعار خامي خام برنت وخام غرب تكساس الوسيط أنهت التداولات على ارتفاع. وهذا يكشف حقيقة مهمة: الأسواق لم تعد تخاف من نقص مؤقت في النفط بقدر ما تخاف من استمرار الحرب نفسها. فالـ400 مليون برميل تعادل تقريبا أربعة أيام من الاستهلاك العالمي. أما إذا طال الصراع أو توسع إقليميا، فقد يصبح هذا الرقم مجرد قطرة في بحر الطلب العالمي.
يمر عبر مضيق هرمز ما يقارب 20% من تجارة النفط العالمية. لذلك فإن أي إغلاق أو تعطيل للملاحة هناك لا يعني مجرد أزمة إقليمية، بل زلزالا اقتصاديا عالميا. تاريخيا، كلما اقترب التوتر العسكري من هذا المضيق، ترتفع الأسعار فورا، لأن الأسواق تدرك أن البدائل محدودة:
– خطوط الأنابيب لا تستطيع تعويض كامل التدفقات
– الإنتاج الاحتياطي لدى بعض الدول محدود
– الاحتياطات الاستراتيجية حل مؤقت فقط
بمعنى آخر، أمن المضيق يساوي أمن الاقتصاد العالمي.
بعد صدمة سبعينيات القرن الماضي، فرضت وكالة الطاقة الدولية على أعضائها الاحتفاظ باحتياطات تكفي 90 يوما من الواردات على الأقل. اليوم، يملك أعضاء الوكالة أكثر من:
– 1.2 مليار برميل من الاحتياطات الحكومية.600
– مليون برميل لدى الشركات تحت إشراف الدول
هذه الأرقام تبدو ضخمة، لكنها في الواقع ليست سوى تأمين مؤقت ضد الفوضى. فالاقتصاد العالمي يعتمد على النفط بشكل يجعل أي انقطاع طويل الأمد كارثيا. السؤال الكبير: هل كانت الدول تجهل هذه النتائج؟ هنا تبدأ القراءة الجيو-اقتصادية الأكثر عمقا. هل كانت الدول الكبرى تجهل أن الحرب في الشرق الأوسط قد تهدد إمدادات النفط؟ هل لم يكن أحد يتوقع أن يتأثر مضيق هرمز؟ هل كان ارتفاع الأسعار مفاجأة حقا؟ الواقع أن الإجابة في الغالب لا. فالمؤسسات الاستراتيجية في الدول الكبرى تمتلك نماذج محاكاة تفصيلية لكل السيناريوهات: حروب إقليمية، إغلاق ممرات بحرية، هجمات على البنية التحتية للطاقة.
بمعنى آخر، هذه النتائج كانت معروفة مسبقا. لكن السياسة الدولية لا تسير دائما وفق منطق الاقتصاد. أحيانا تقبل الدول على مخاطر محسوبة إذا كانت المصالح الجيوسياسية أكبر من التكلفة الاقتصادية. ما الذي يكشفه هذا القرار فعلا؟ قرار الإفراج عن 400 مليون برميل يكشف ثلاث حقائق أساسية:
1- هشاشة النظام الطاقي العالمي رغم كل الحديث عن التحول الطاقي، لا يزال النفط العمود الفقري للاقتصاد العالمي.
2- استمرار مركزية الشرق الأوسط كلما اندلع صراع في المنطقة، يهتز الاقتصاد العالمي.
3. دخول العالم مرحلة صراع طاقي جديد بين الدول المنتجة والمستهلكة، وبين الطاقة التقليدية والتحول إلى البدائل.
إذا استمرت الحرب أو توسعت، فقد نشهد نسخة معاصرة من الصدمة النفطية في سبعينيات القرن العشرين. لكن الفارق هذه المرة أن العالم أكثر تعقيدا:
– سلاسل التوريد مترابطة بشكل غير مسبوق
– الاقتصاد العالمي مثقل بالديو
– المنافسة بين القوى الكبرى أشد
لذلك فإن أي اضطراب طويل في الطاقة قد يتحول من أزمة نفطية إلى أزمة نظام اقتصادي عالمي. قد يخفف ضخ الاحتياطات الاستراتيجية الضغط على الأسواق لبعض الوقت. لكن الحقيقة التي يعرفها صناع القرار جيدا هي أن النفط يستطيع تهدئة الأسعار… لكنه لا يستطيع إنهاء الحرب. ويبقى السؤال الأكثر إزعاجا: هل كان الهدف فعلاً منع أزمة طاقة، أم أن العالم يتعلم مرة أخرى أن الطاقة والحروب وجهان لعملة جيوسياسية واحدة؟
