قراءة في مفارقات الحرب الأوكرانية

بقلم زكية لعروسي, باريس

لا تقرأ الأحداث في السياسة الدولية بالأرقام العسكرية أو البيانات الدبلوماسية فقط، بل تفهم من خلال طبقات أعمق: التاريخ، والجغرافيا، والنفس البشرية. الحرب في أوكرانيا التي دخلت عامها الرابع لم تعد مجرد مواجهة بين موسكو وكييف، بل تحولت إلى مسرح واسع تتقاطع فيه استراتيجيات القوى الكبرى، وتنكشف فيه حدود القوة الغربية ومخاوف أوروبا وعودة روسيا كلاعب تاريخي في قلب التوازن العالمي. ولفهم ما يحدث اليوم، قد لا يكفي الرجوع إلى كتب الجغرافيا السياسية فقط، بل أحيانًا نجد في الحكمة الشعبية ما يلخص تعقيد السياسة الدولية. يقول المثل المغربي: “اللّي حفر حفرة لخوه كيطيح فيها”. هذا المثل لا يفسر الحرب حرفيا، لكنه يذكرنا بحقيقة تاريخية: كثير من الاستراتيجيات الدولية تنقلب على أصحابها عندما تتغير الظروف.

– الاستراتيجية الأولى: حرب الاستنزاف الروسية

منذ بداية الحرب، أدركت موسكو أنها تواجه ليس فقط أوكرانيا، بل شبكة كاملة من الدعم العسكري والاقتصادي الغربي. لذلك تبنت استراتيجية معروفة في التاريخ العسكري: حرب الاستنزاف الطويلة. هذه الاستراتيجية ليست جديدة في التاريخ الروسي. نابليون بونابرت تعلّمها في القرن التاسع عشر عندما دخل روسيا بثقة جيشه العظيم، لكنه اصطدم بالمسافات الشاسعة والشتاء القاسي واستراتيجية الإطالة الروسية. وبعد أكثر من قرن، واجه أدولف هتلر المصير نفسه. روسيا اليوم تراهن على الزمن، وعلى قدرة اقتصادها على التكيف مع العقوبات، وعلى تعب المجتمعات الغربية من حرب طويلة. وكما يقول المغاربة: “الصبر مفتاح الفرج”، لكن في السياسة الدولية يصبح الصبر أحيانًا أداة استراتيجية بحد ذاته.

– الاستراتيجية الثانية: الرهان الأوكراني على الدعم الدولي

في المقابل، تعتمد أوكرانيا على استراتيجية مختلفة: تحويل الحرب إلى قضية دولية دائمة. فكلما طال أمد الصراع، زادت أهمية الدعم العسكري والاقتصادي القادم من أوروبا والولايات المتحدة. لكن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطرة كبيرة، لأن السياسة الغربية ليست ثابتة. الحكومات تتغير، والانتخابات تعيد تشكيل الأولويات. وهنا يبرز مثل مغربي آخر يقول: “ما تبني دارك على كتاف غيرك”. بمعنى أن الاعتماد الكامل على الآخرين قد يصبح خطرًا عندما تتغير مصالحهم.

تصريحات بعض القادة الأوروبيين الداعية إلى التفكير في التفاوض تعكس تحولا تدريجيا في المزاج السياسي داخل القارة. فبعد سنوات من خطاب الحسم العسكري، بدأت الواقعية السياسية تفرض نفسها. التاريخ يعلمنا أن أوروبا غالبا ما تنتهي إلى التوازنات بعد الحروب الطويلة. حرب الثلاثين عاما في القرن السابع عشر لم تنته بانتصار ساحق، بل بتسوية سياسية أعادت رسم موازين القوى في القارة. وهنا يصدق المثل المغربي: “الريح اللي ما ترجّعكش، رجّع ليها ظهرك”. عندما تدرك الدول أن المواجهة المباشرة لن تحقق أهدافها، تبدأ في البحث عن طرق أخرى أقل كلفة.

دخول الطائرات المسيرة الإيرانية إلى ساحة الحرب الأوكرانية كشف جانبًا مهما من التحولات العسكرية المعاصرة. فالحروب الحديثة لم تعد تعتمد فقط على الجيوش الضخمة، بل على التكنولوجيا الرخيصة نسبيا والقادرة على تغيير موازين المعركة. بالنسبة لإيران، الحرب في أوكرانيا ليست فقط دعمًا لروسيا، بل أيضًا فرصة لإثبات قدراتها العسكرية أمام العالم. إنها رسالة استراتيجية بقدر ما هي مشاركة غير مباشرة في الصراع. لكن خلف كل هذه الحسابات العسكرية والاستراتيجية يظل سؤال فلسفي عميق: هل يمكن للحرب أن تنتج سلاما حقيقيا؟ الفيلسوف الألماني كارل فون كلاوزفيتز وصف الحرب بأنها “استمرار السياسة بوسائل أخرى”. لكن التجربة التاريخية تشير إلى أن الحروب الطويلة تغير طبيعة السياسة نفسها. فهي تخلق عداوات عميقة، وتعيد تشكيل الهوية الوطنية، وتترك جروحا يصعب التئامها. الحرب الأوكرانية اليوم ليست فقط صراعًا على الأرض، بل صراعًا على تصورين للعالم: روسيا ترى نفسها قوة كبرى تريد إعادة التوازن للنظام الدولي، بينما ترى أوكرانيا نفسها خط الدفاع الأول عن النظام الأوروبي.

قد تختصر الحكمة المغربية هذا المشهد كله في مثل بسيط: “الدنيا دوارة، نهار ليك ونهار عليك”. ميزان القوة في السياسة الدولية يتغير باستمرار. ما يبدو انتصارا اليوم قد يتحول إلى عبء غدا، وما يبدو هزيمة قد يصبح بداية مرحلة جديدة. ربما لهذا السبب، ومع دخول الحرب عامها الرابع، بدأ الحديث عن التفاوض يعود إلى الواجهة. فالتاريخ يعلمنا أن معظم الحروب الكبرى لم تنته بانتصار كامل لطرف واحد، بل بتوازنات مؤقتة تفرضها الجغرافيا والواقع. وفي عالم تتحكم فيه المصالح أكثر من المبادئ، تبقى الحقيقة الأوضح هي أن السلام ليس دائما عدلا كاملا، لكنه غالبا أقل كلفة من حرب بلا نهاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *