بقلم زكية لعروسي, باريس
في لحظة ما من التاريخ السياسي، يتوقف الخبر عن كونه حادثة عابرة، ويصبح مرآة تكشف شيئا أعمق بكثير من تفاصيله. قضية “رأس الخنزير” التي هزّت الحملة البلدية في مدينة نيس الفرنسية ليست مجرد واقعة انتخابية صادمة، بل فصل جديد في قصة قديمة بقدر السياسة نفسها: ماذا تفعل السلطة بالبشر عندما تصبح الكراسي أثمن من الحقيقة؟ السياسة، في صورتها المثالية، وعد بتنظيم الحياة العامة. لكنها في ممارستها اليومية كثيرا ما تتحول إلى مسرح صاخب تتصارع فيه الطموحات والغرائز والخوف من السقوط. وفي هذا المسرح تحديدا، تبدو مدينة نيس اليوم وكأنها تقدم عرضا مكثفا عن الوجه المظلم للحياة السياسية. عندما وجدت رأس خنزير أمام منزل رئيس بلدية نيس كريستيان إستروزي مرفقة بعبارات مهينة وإيحاءات معادية للسامية، بدا المشهد في البداية كأنه اعتداء سياسي فظّ يستدعي التضامن. لكن سرعان ما تحولت القضية إلى لغز معقد، بعد أن قادت التحقيقات إلى أشخاص مرتبطين بدائرة مقربة من حملة إستروزي نفسها. فجأة لم يعد السؤال: من فعل ذلك؟ بل أصبح السؤال الأكثر خطورة: لماذا؟
هنا تبدأ السياسة في كشف طبقتها الأكثر قسوة. فالانتخابات، خصوصًا حين تشتد المنافسة، لا تكون مجرد تنافس بين برامج ورؤى. إنها اختبار حقيقي للحدود الأخلاقية التي يقبل السياسيون تجاوزها. كلما اقتربت لحظة الصندوق، ضاق هامش الفضيلة واتسعت مساحة المناورة. يصبح الخوف من الهزيمة قوة هائلة تدفع بعض السياسيين إلى مناطق رمادية، حيث تختلط الاستراتيجيات المشروعة بالمكائد. في نيس، يتواجه رجلان كانا يوما من أعمدة اليمين الفرنسي: إستروزي وإريك سيوتي. كلاهما يعرف الآخر جيدا، وكلاهما يدرك أن المعركة ليست فقط على بلدية مدينة متوسطية جميلة، بل على رمزية سياسية أوسع في يمين فرنسي منقسم بين الماكرونية واليمين الشعبوي. وعندما تنقسم العائلة السياسية الواحدة، غالبا ما تتحول المنافسة إلى صراع أكثر قسوة من أي مواجهة مع الخصوم التقليديين.
التاريخ السياسي مليء بأمثلة مشابهة. فكلما اقترب السياسي من خسارة موقعه، يصبح الكرسي أشبه بآخر حصن يجب الدفاع عنه بأي ثمن. في تلك اللحظة تحديدا، يتحول المنصب من وسيلة لخدمة المدينة أو الدولة إلى مسألة بقاء شخصي. وهنا تبدأ الأخلاق بالتآكل ببطء. الفيلسوف الإيطالي نيقولا ميكيافيلي فهم هذه الحقيقة مبكرا عندما كتب أن الحاكم الذي يخشى فقدان السلطة قد يجد نفسه مضطرا إلى استخدام وسائل لا أخلاقية للحفاظ عليها. لم يكن ميكيافيلي يمجّد الخداع بقدر ما كان يصف طبيعة السلطة كما هي، لا كما نتمنى أن تكون. لكن المشكلة أن السياسة الحديثة، رغم مؤسساتها وقوانينها، لم تنجح تماما في تحييد هذه الغريزة القديمة. فالكراسي، مهما بدت ديمقراطية في ظاهرها، تظل قادرة على إغواء أصحابها. السلطة تمنح صاحبها شعورا خفيا بالضرورة: أن وجوده في الموقع ليس مجرد خيار انتخابي بل قدر لا بد منه.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي. فالسياسي الذي يبدأ بالاعتقاد أن المدينة لا يمكن أن تستمر بدونه، أو أن الهزيمة تعني نهاية النظام نفسه، يصبح مستعدا لتبرير كل شيء. عند هذه النقطة تتحول الحملات الانتخابية من نقاش عام إلى معارك نفسية وإعلامية قاسية، وقد تنزلق أحيانا إلى فضائح وعمليات تلاعب تشبه حبكات الأفلام السوداء. قضية نيس، مهما انتهت نتائج التحقيق فيها، تطرح سؤالا أوسع بكثير من مصير حملة انتخابية. إنها تذكير بأن الديمقراطية لا تختبر فقط يوم الاقتراع، بل في سلوك من يتنافسون للوصول إلى السلطة. فالسياسة، في جوهرها، امتحان أخلاقي طويل. بعض السياسيين يخرجون منه بسمعة أقوى، وآخرون يكتشفون متأخرين أن الطريق إلى السلطة يمكن أن يتحول إلى طريق يلتهم صاحبه. وفي نهاية المطاف، قد تكون الحقيقة الأكثر قسوة في هذه القصة أن الكراسي لا تغيّر البشر فقط؛ بل تكشف ما كان مختبئا فيهم منذ البداية.
