كوميديا التعدّد: بين القدر والنصّ الإلهي

بقلم زكية لعروسي

تظلّ كلمة التعدّد جمرة لا تبرد على شفاه الرجال، وشرخا خفيّا في روح النساء، مهما تغيّرت الأزمنة وتبدّلت الشرائع. إنها كلمة لا تقال دون أن يتبدّل الهواء حولها. كلمة حين تمرّ في الفضاء تترك وراءها ارتجافا خفيّا، كأنها توقظ في أعماق الإنسان ذكرى قديمة من الخوف والسلطة والرغبة معا. لا تبشّر هذه الكلمة المرأة بشيء من الطمأنينة. إنها لا تحمل في ظلّها وعدا بالسكينة، بل احتمالا غامضا قد يسلب روحها بعض ما تتعطّر به أنوثتها من دفء خفيّ ورائحة ياسمين. وما إن تلامس أذن الأنثى حتى يتغيّر وجهها كما تتغيّر السماء حين تمرّ بها سحابة داكنة. تنقبض الملامح، تتصلّب التقاطيع، ويعلو في الأعماق هدير غامض يشبه إنذارا قديما، كأن الذاكرة البشرية كلها قد اختزلت في تلك اللحظة: لحظة الخوف من المشاركة في القلب.

فالتعدّد، مهما حاولت المجتمعات أن تطبّعه، يبقى خبرا ثقيلا على الروح. إنه ليس مجرد نظام اجتماعي، بل احتمال دائم لانكسار التوازن الخفي الذي تقوم عليه عاطفة المرأة. ومع ذلك، فإن التعدّد ليس اختراعا شرقيا كما يتوهّم بعض العابرين في التاريخ، ولا تشريعا إسلاميا نشأ فجأة في صحراء العرب. إنه أقدم من ذلك بكثير. التعدّد، في الحقيقة، أحد وجوه التاريخ الإنساني نفسه. لقد ولد في الأزمنة التي كان فيها الرجل يتعلّم لأول مرة كيف يحوّل السلطة إلى قانون، وكيف يجعل الرغبة نظاما اجتماعيا. مارسته الحضارات الكبرى منذ فجر الزمن. مارسته الصين والهند وبابل وآشور ومصر وآثينا وروما، لا بوصفه ضرورة إنسانية، بل بوصفه امتيازا ذكوريا يتغذّى على الثروة والقوة والبنية الطبقية للمجتمع.

في الصين القديمة، كانت المرأة أقرب إلى متاع منزلي منها إلى شريكة حياة. كانت تدرج في دفاتر البيت كما تدرج الحقول والقطعان. وكان الرجل قد يضمّ إلى بيته عشرات النساء، بل مئات، حتى بلغ الأمر بأحد الأباطرة أن جمع في قصره ما يقارب ثلاثين ألف امرأة، وكأن الجسد الأنثوي أصبح جزءا من مشهد الإمبراطورية. أما الأرملة، فلم تكن تملك حق بداية جديدة. كانت تتحول إلى ظلّ موروث، جزءا من تركة العائلة، كأن حياتها امتداد لحياة رجل انتهى. وفي الهند، بلغت التراجيديا ذروتها. هناك كانت المرأة تتمّ إخلاصها لزوجها الميت بأن تحترق معه فوق موقد الجنازة في طقس السّاتي، كأن الحبّ في فلسفة تلك الطبقات لا يكتمل إلا حين يتحوّل إلى رماد.

أما الفرس، فقد بلغوا في بعض عصورهم حدا يكاد يبدو اليوم خارج المنطق الأخلاقي، إذ لم يكن الزواج من بعض القريبات أمرا مستنكرا، لأن فكرة التكاثر والسلطة كانت أقوى من أي رادع آخر. وفي مصر الفرعونية، حيث بلغت المرأة منزلة سامية في الملكية والملكية المشتركة، لم يختف التعدّد. لكنه ظلّ محصورا غالبا في طبقات الحكم والثروة. وكان رمسيس الثاني المثال الأكثر شهرة على هذه المفارقة. ملك عظيم خلّف مئات الأبناء، بينما ظلّت الزوجة الكبرى تتمتع بمكانة تمنحها حقّ الاعتراض أو القبول بمشاركة أخرى، وهو شرط يبدو في بعض جوانبه أقرب إلى حساسية قانونية سبقت عصرها. أما اليونان، أرض الفلسفة والجدل، فقد مارست التعدّد بصيغ مختلفة بين الزوجات والخليلات. وكان الزواج فيها وظيفة اجتماعية هدفها الأسمى إنجاب الذكور. حتى سقراط نفسه، الذي علّم العالم فنّ السؤال، لم يعش خارج هذه البنية الاجتماعية، إذ عرف بارتباطه بزوجتين. أما الرومان، فقد تعاملوا مع التعدد بنوع من البراغماتية القاسية. لم يكن دائما محكوما بالقانون، لكنه ظلّ جزءا من فكرة التمدّن لديهم: إنتاج الأبناء، توسيع النسب، وتعزيز النفوذ.

ولعل التجربة العراقية القديمة كانت أكثر تنظيما، إذ جعلت التعدد مشروطا بالعقم أو المرض المزمن للزوجة الأولى، مع الحفاظ على مكانتها وكرامتها. بل إن بعض النساء كنّ يدفعن أزواجهن إلى الزواج مرة أخرى بدافع الخوف على استقرار البيت أو رغبة في دوام المحبة. كل هذه الحضارات عرفت التعدّد قبل الإسلام. وحين جاء الإسلام، لم يخترعه. لقد وجده قائما، متجذرا في الأعراف البشرية، فاختار أن يحدّه بدل أن يطلقه، وأن يهذّبه بدل أن يلغيه. لقد قيّد ما كان بلا سقف. وحوّل الامتياز إلى مسؤولية أخلاقية ثقيلة. فلم يسمح بأكثر من أربع زوجات، وربط ذلك بشرط يكاد يكون مستحيلا: العدل التام. والعدل بين القلوب أمر لا تبلغه الطبيعة البشرية بسهولة. ولهذا جاء التحذير القرآني الصريح:”فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة”. بهذا المعنى، لم يكن التعدّد دعوة ولا فضيلة، بل حلا اجتماعيا محدودا لواقع قائم. حتى بيت النبوة نفسه لم يكن بعيدا عن هذه التجربة الإنسانية. لقد عاش النبي محمد (ص) التعدد بكل ما فيه من تعقيد بشري. عاش الحب والغيرة، والضيق والاختبار. كانت زوجاته نساء حقيقيات، لا قديسات منزّهات عن المشاعر. يغضبن، يغِرن، يطلبن الزينة، ويشتكين ضيق العيش. حتى اعتزلهن شهرا كاملا حين اشتدّت عليه الشكوى. فنزلت آيات التخيير، ليقف النبي أمام امتحان إنساني بالغ القسوة: أن يوازن بين القلب والرسالة.

وحين نغادر التاريخ إلى الواقع القريب، نجد أن التعدّد ما زال ينسج أقدارا معقّدة في بعض البيوت. نساء الأمس – اللواتي تسميهن الذاكرة الشعبية”نساء بكري” – لم ينظرن إلى التعدد كفضيحة، بل كقدر. قدر قد يوجع، لكنه لا يعلن التمرّد عليه. كنّ يرددن في حكمة بسيطة: “المكتوب ما منه هروب.” لم يكن ذلك استسلاما خالصا، بل مزيجا من الصبر والخوف والولاء العائلي. في بعض البيوت، لم يتحوّل التعدّد إلى جحيم. بل إلى حياة ذات إيقاع غريب، أقرب إلى كوميديا القدر. كأن البيت يصبح مسرحا إنسانيا تتجاور فيه الغيرة مع الحكمة، والمرارة مع التكيّف. رجل يحاول أن يقسّم قلبه كما يقسّم الوقت، ونساء يحاولن ألا يسقطن في دوائر الغيرة التي لا قرار لها. لكن السؤال يبقى معلقا فوق كل هذه الحكايات: من يضمد جراح النساء حين تشتعل نار التعدد في صدورهن؟ ومن يمنحهن صوتا يعلو فوق قدر لم يخترنه؟ وأي دور يلعبه الرجال في تحويل هذا القدر إلى عدل… أو إلى مأساة؟ بين التراجيديا والكوميديا، يظل التعدد أحد أكثر ألغاز الحياة الإنسانية تعقيدا. قد يبدأ كابتلاء وينتهي كطمأنينة. وقد يبدأ كأمل وينتهي كخراب. إنه معادلة لا تحلّها القوانين وحدها، ولا الفلسفة وحدها. إنها معادلة يحلّها الزمن…وتحسمها العدالة. فإن غابت العدالة، تحوّلت الكوميديا إلى جحيم.

One thought on “كوميديا التعدّد: بين القدر والنصّ الإلهي

  1. بالنظر للشرط الاقتصادي الآن، ماذا تبقى للذكر ، وليس للرجل، من إمكان النزوع صوب التعدد؟
    إذا كانت الذكورة مسألة نوع فإن الرجولة مسألة قيم وثقافة. قد نلاحظ كثيرا من الذكور وقليلا من الرجال في المجتمعات. ” انت ما شي رجل”, سير حتى تكون راجل….” ” أجي وكون راجل” أحكام تروج كثيرا في لغة الإنات كما الذكور. ما يعني ان الرجولة عملة نادرة. اما الذكورة بسلوكها المتعدد ، هي ما بخست من جسد الأنثى في جميع المجالات وعلى رأسها الشغل ، وهو ما يفسر سطوة الذكور على أهم الوظائف وسنوات لاأنفسهم قانون الشغل والأجور. وهذه الكائنات التي تتنفس وهم الذكورة كانوا ضد أشباههم حتى. وبهذه المواقف ترجموا تلك السلطة الأسرية الواهمة مثل حكاية شهريار.
    الزمن الراهن أفسد كل شيء يهم الزواج وبناء الأسرة. كثرة الطلاق، ارتفاع واقع العزوف على الزواج، وما صاحب ذلك من ميلاد ظواهر جديدة ترتبط بتدبير سياسة الجنس في المجتمعات ….عيد سعيد بنون النسوة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *