بقلم زكية لعروسي
تقول الأرقام ببرودة موظف أرشيف أن النساء في فرنسا ما زلن يتقاضين أقل من الرجال بنسبة 21,8 في المئة. رقم جاف، مستقيم، بلا دموع. لكن خلفه تقف قرون من الفلسفة التي كانت تكتب باسم الإنسان وتقصد الرجل، وتضع المرأة في الهامش كتعليق سفلي على متن الحضارة. كأن التاريخ كان مخطوطا فخما من الجلد، والمرأة مجرد حاشية بقلم رصاص يمكن محوها فكلما بهتت. فرنسا حين يعلن المعهد الوطني للإحصاء في بلد مثل France أن الفجوة تنكمش بسرعة حلزون، لا نحتاج إلى ساعة رملية لقياس البطء، يكفي ان ننظر الى وجوه الجدات اللواتي عملن في صمت، ثم إلى حفيداتهن اللواتي يعملن بصوت أعلى، لكن في السقف ذاته. الفرق أن الأولى كانت تصمت بدافع الواجب، والثانية تصمت بدافع التعب.
الفلسفة الغربية، من أفلاطون إلى هيغل، كانت تتحدث عن العقل الكلي والروح المطلقة، لكنها غالبا ما نسيت أن تسأل: من يطبخ للروح حين تعود متعبة من الجدل؟ ومن يغسل عباءة العقل حين تتسخ بوحل السوق؟ المرأة كانت هناك، في الخلفية، مثل نهر تحت الأرض، يسقي المدينة ولا يظهر في الصور الرسمية. وعندما خرجت إلى الضوء، لم تجد بساطا أحمر، بل ميزانا مائلا. 21,8 في المائة ليست مجرد فجوة، إنها استعارة معاصرة للهوة القديمة بين خطاب المساواة وممارسة التمييز. يقال إن الفارق يتقلص، لكن ببطء حلزون حكيم، حلزون يحمل بيته على ظهره لأنه لا يثق في عدالة المعماريين. خمسون عاما أخرى لبلوغ المساواة؟ هذا ليس تقديرا زمنيا، بل نبوءة ساخرة عن قدرة النظام على تأجيل العدالة الى ما بعد عمر المطالبين بها

.
والأعجب ان الفجوة تكبر مع العمر، كأن المرأة تعاقب مرتين: مرة لأنها دخلت السوق متأخرة قليلا، ومرة لأنها بقيت فيه طويلا. الشابة في العشرينات تلامس المساواة نسبيا، ثم تبدأ الهوة في الاتساع كلما صعدت درجات السلم. السلم نفسه مصمم بعناية: درجاته الأولى عريضة ومضيئة، أما العليا فضيقة وموحشة، لا تصعدها إلا قلة، وغالبا ما تكون محاطة بنظرات الشك. يقال إن جزءا من المشكلة يعود إلى توزيع المهن وحجم العمل. لكن من وزع المهن أصلا؟ ومن قرر أن الرعاية والتعليم والتمريض أعمال طبيعية للنساء، كأنهن يولدن وفي أيديهن ساعة حائط وقلب احتياطي للعالم؟ هذه ليست سوقا حرة تماما، بل مسرحا قديما توزع فيه الأدوار قبل رفع الستار.
القانون الفرنسي منذ سبعينيات القرن الماضي يضمن الأجر المتساوي للعمل ذي القيمة المتساوية. يا لروعة العبارة. لكنها تشبه وعدا مكتوبا بماء الورد: جميل الرائحة، سريع التبخر. إذا كانت القيمة نفسها محل نزاع، فمن يحددها؟ ومن يملك معيار القياس؟ حين تكون التصنيفات المهنية مبنية على تاريخ طويل من الانحيازات، يصبح القانون مثل طبيب يعالج الحمى ويترك العدوى تتكاثر في الدم. التاريخ يعلمنا أن كل حق انتزعته المرأة كان نتيجة صراع طويل، لا منحة سماوية. حق التعليم، حق التصويت، حق التملك، كلها جاءت بعد معارك فكرية واجتماعية. واليوم، معركة الاجر ليست اقل عمقا، لأنها تمس جوهر الاعتراف. الراتب ليس مجرد رقم في كشف بنكي، بل رسالة ضمنية عن قيمة الجهد والوقت والحياة نفسها. السخرية المرة تكمن في ان المجتمعات الحديثة تتباهى بشعارات الشفافية، بينما تخفي في طيات جداولها المالية فروقا صلبة. ستطبق توجيهات أوروبية جديدة حول شفافية الأجور، وستعقد ندوات، وستكتب تقارير أنيقة. لكن السؤال الأكثر جذرية يظل معلقا: هل نريد فعلا مساواة كاملة، أم نريد فقط فجوة أصغر لا تثير الإحراج؟
المرأة ليست ضحية أبدية، وليست قديسة فوق النقد. هي كائن تاريخي، فاعل، متعلم، قادر على قلب الطاولة حين تضيق بها الغرفة. لكنها تواجه بنية أعمق من مجرد أرقام سنوية. بنية ترى في تفوقها تهديدا، وفي صعودها استثناء، وفي طموحها مبالغة. إذا استمر الحلزون في مسيرة، فقد تصل المساواة بعد نصف قرن. لكن التاريخ لا يتحرك فقط بسرعة الحلزونات، بل أحيانا بسرعة العواصف. وحين تقتنع النساء ان الانتظار ليس فضيلة بل فخ، قد يتحول الرقم 21,8 من إحصاء رسمي إلى شرارة خطاب جديد، أكثر جذرية، وأكثر جرأة، يعيد تعريف العمل والقيمة والعدالة من أساسها. حينها فقط، لن يكون السؤال كم تكسب المرأة مقارنة بالرجل، بل كيف سمح عالم يدعي العقلانية لنفسه كل هذا الوقت أن يدفع نصفه أجرا أقل مقابل الحياة ذاتها.

مسألة الحقوق والعدل في مجال الشغل، لازالت تحافظ السياق التقليدي لمفهوم الشغل الذي حدده هيجل باعتباره قدرة الإنسان على تحويل الطبيعة الى قيم للاستهلاك أو الاستعمال. اذاك بني الشغل على مفهوم ذكوري، مفهوم العامل في الورشة. اما اليوم في عصر الرقمي، حيث اختفى العامل ليظهر المهندس والمدبر ….خارج مفهوم النوع. غير أن الصالير ظل محكوما بمعيارالنوع. ما يستدعي قول ” لا” لهذا الوضع.