بقلم زكية لعروسي، باريس
في الساحات الممتدة من واشنطن إلى باريس، ومن روما إلى مدريد، لم تكن الحشود تهتف فقط، بل كانت تعيد صياغة معنى قديم: أن لا أحد، مهما علا، يمكن أن يكون ملكا في زمن ولد على فكرة المواطنة. “لا ملوك”… شعار بسيط في لغته، عميق في جذوره، يكاد يكون صدى بعيدا لفلسفة الأنوار التي حلمت بعالمٍ تُستبدل فيه الهيبة الوراثية بشرعية الإرادة العامة. لكن، في مفارقة عصرنا، يعود هذا الشعار ليرفع من جديد، لا ضد تاج ذهبي، بل ضد سلطة ديمقراطية يخشى أن تنزلق نحو تمثيل جديد للهيمنة. في قلب هذا المشهد، يقف دونالد ترامب بوصفه أكثر من مجرد رئيس. إنه ظاهرة. شخصية تجسّد تحوّلا في العلاقة بين الحاكم والجمهور، حيث تختلط السياسة بالعرض، والقرار بالصورة، والسلطة بالاستقطاب. لم يعد الحاكم فقط من يدير الدولة، بل من يعيد تشكيل المسرح الذي تعرض عليه الدولة نفسها.

ميدانيا، تظهر هذه الاحتجاجات اتساع رقعة القلق. آلاف، بل ملايين، ينزلون إلى الشوارع ليس فقط رفضا لسياسات بعينها -كالهجرة أو الأمن أو الحرب- بل رفضا لأسلوب في الحكم، لخطاب يشعرون أنه يعيد إنتاج فكرة “الرجل الواحد” داخل نظامٍ صمّم أصلا لتفاديها. لكن، ما الذي يجعل الجماهير تعود إلى الشارع في القرن الحادي والعشرين، بعد أن ظنّ كثيرون أن زمن الثورات الجماهيرية قد تراجع أمام فردانية العصر الرقمي؟ الجواب، ربما، يكمن في الشعور. شعور بأن الديمقراطية، رغم مؤسساتها، يمكن أن تفقد روحها. وأن الانتخابات، رغم مشروعيتها، لا تكفي وحدها لضمان التوازن. في هذا السياق، تبدو المظاهرات كأنها محاولة لإعادة ضبط البوصلة. ليست ثورة لإسقاط نظام، بل صرخة لإعادة تعريفه.

فلسفيا، يمكن قراءة هذا المشهد عبر سؤال قديم جديد: هل الديمقراطية شكل، أم جوهر؟ إذا كانت شكلا، فهي تكتفي بالإجراءات.أما إذا كانت جوهرا، فهي تحتاج إلى يقظة دائمة، إلى مجتمع لا ينام طويلاً على نتائج صناديق الاقتراع. في هذا الإطار، يصبح شعار”لا ملوك” أكثر من احتجاج. إنه إعلان قلق وجودي: الخوف من أن تتحول السلطة المنتخبة إلى سلطة مطلقة في الممارسة، ومن أن يتحول الزعيم إلى رمز يتجاوز النقد، ومن أن تتحول السياسة إلى ولاء، لا إلى مساءلة. لكن المفارقة الأعمق تكمن في أن هذه الظاهرة ليست معزولة. ففي اللافتات التي رفعت، لم يذكر اسم واحد فقط، بل أسماء متعددة، من قارات مختلفة. كأن العالم يعيش لحظة متزامنة من الشك في السلطة، أياً كان شكلها. هنا، تتقاطع السياسة بالأدب.

يستحضر المشهد شيئا من أعمال جورج أورويل، حيث تتآكل الحدود بين الحقيقة والسرد، بين الواقع والتمثيل. كما يذكّر بفكرة ميشيل فوكو عن أن السلطة ليست فقط ما يمارس، بل ما ينتج خطابا، وما يشكّل وعيا في شوارع واشنطن، لم يكن الناس يحتجون فقط على قرارات، بل على سردية كاملة. على طريقة في رؤية العالم، وفي تقسيمه، وفي تحديد من ينتمي ومن يقصى. ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحا هل هذه الاحتجاجات علامة قوة الديمقراطية، أم دليل على هشاشتها؟
ربما الاثنان معا, فالديمقراطية التي تسمح بالاحتجاج هي ديمقراطية حية، لكن الحاجة إلى هذا الاحتجاج هي أيضا إشارة إلى خلل ما. لا يتعلق الأمر بشخص واحد، مهما كان حضوره طاغيا، بل بلحظة تاريخية كاملة. لحظة يتساءل فيها العالم: هل ما زلنا نعيش في زمن المواطن… أم أننا، دون أن نشعر، نقترب من زمن “الملك” في هيئة جديدة؟ وبين الهتاف والصمت، بين اللافتة والقرار، يبقى الجواب معلقا في الهواء تماما كما كانت الحشود، في ذلك اليوم، تحاول أن تلتقطه.

