بقلم حميري بشير كوبنهاك – الدنمارك
تمر لحظات الوداع في المشهد السياسي بتشكيلات درامية مثيرة، تختلط فيها الانفعالات الحقيقية بالمُفتعلة، وتطفو على السطح دموع قد يختلف المُفسّرون في حقيقتها. فليست كلّ دمعة دليل حزن على فراق منصب، بل ربما كانت حسرة على فُرصة ذهبية إنفلتت، أو خوفا من ساعة حساب تطل من وراء الأفق. تلك الدموع التي تسيلها الكاميرات بغزارة في لحظة التخلي عن مقعد مرموق، ليست بالضرورة علامة حُب للخدمة, أو شوقا للجمهور. قد تكون – في جوهرها – نوحا على وداع إمتيازات لم تعد قابلة للتجديد أو أسفا على صفقات لم تكتمل، وأحلام ثراء لم تتحقق. فالبكاء أحيانا لا يكون على الماضي فقط،
بل على مستقبل مزاح عن مساره.
العجيب أن يبكي المرء وهو يترك كرسيا كان – في نظر الكثيرين – مصدر تعاسته وشقاء غيره! كرسيا تخطّى ظلّه هموم ” أولاد الشعب”، وتجمّعت تحت سقفه ملفات ثقيلة، وتراكمت أسئلة لم تجد إجابات. فهل يعقل أن تكون الدموع حنينا إلى هذا العبء؟ أم أنها الاعتراف الضمني بأن الكرسي كان جسرا لتحقيق مكاسب خاصة، وأن رحيله يعني إنقطاع ذلك النهم الذي لا يشبع؟
في مشهدنا السياسي المعتاد، لا تُرفع الأقلام لتحاسب في اللحظة ذاتها، لكنها تُسجّل… تُسجّل كل شيء. وربما يأتي يوم تخرج فيه تلك التسجيلات من أدراج النسيان، فتحاسب من لم يُحاسب،وتعيد الحقوق إلى أصحابها. فالحساب قد يتأخر، لكن التاريخ لا ينسى. وغريب أيضا أن نرى دموعا أخرى تنهمر في زوايا المشهد، ليس حزنا على الراحل، بل رعبا من أن تصل أيدي المحاسبة إلى مكاتبهم، أو تكشف سجلات تخصّ مصانع تدار بأجور زهيدة، أو صفقات لا تتحمّل ضوء النهار. فالبكاء هنا قد يكون «وباء» معديا بين من ربطتهم مصالح متشابكة، وخشوا أن ينهار البناء من أساسه.
لطالما تعودنا على الدموع في مناسبات الوداع الأخير للعزّاء، لكنّ دموع مغادرة الكراسي ظاهرة تستحق التأمل. فهي تكشف عن ارتباط روحي غريب بين الشخص ومنصبه، ارتباط أشبه بعلاقة حب مرضية مع السلطة ومكاسبها. وقد يكون هذا البكاء هو الاعتذار الأخير الذي يقدّمه السياسي لنفسه قبل أن تواجهه مرايا الذات والضمير والحساب.
فوداعا لأي كرسي تبكيه العيون لأنه كان مزرعة خاصة، ولتذهب دموع الوداع إلى حيث تروي أرضا جافة من العدل والمساواة، لا أن تُغرق سجلات الفساد والإهمال. فالمجتمع لا يبكي على رحيل الأفراد، بل يبتسم أملا في غد أفضل… ويتربّص للحساب الذي لا بدّ آت، عاجلا أم آجلا.
