لماذا لم تضرب إيران تركيا؟

بقلم زكية لعروسي

منذ اندلاع المواجهة الأخيرة بين طهران وخصومها الإقليميين والدوليين، تمددت الصواريخ الإيرانية في فضاء الشرق العربي، لكنها توقفت عند حدود واحدة: تركيا. هذا الامتناع ليس صدفة عسكرية، بل قرار سياسي مشبع بحسابات معقدة، تحكمه طبقات من التاريخ والجغرافيا واللغة الاستراتيجية. تستضيف تركيا قواعد عسكرية حساسة، أبرزها قاعدة إنجرليك الجوية، وقاعدة كورجيك التي تضم رادار إنذار مبكر ضمن منظومة الدفاع الأطلسي. ورغم أن أنقرة تؤكد أن هذه المنشآت لا تستخدم لصالح إسرائيل، فإن وجودها يظل شوكة في خاصرة الخطاب الإيراني. لكن مهاجمة تركيا ليست كاستهداف دولة خليجية أو موقع حدودي. تركيا عضو فاعل في الناتو، وأي ضربة مباشرة قد تفعّل المادة الخامسة من ميثاق الحلف، التي تعتبر الاعتداء على عضو اعتداء على الجميع. وهنا يتحول “الردع” إلى”مغامرة وجودية”. في اللغة السياسية، هذا يسمى: رفع كلفة القرار إلى حد يمنع اتخاذه. إيران، في استراتيجيتها المعاصرة، تميل إلى ما يمكن تسميته بـ”الضرب المحسوب”. هي ترسل رسائل قوة، لكنها تتجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة لا يمكن احتواؤها. ضرب تركيا يعني:

– فتح جبهة مع جيش نظامي قوي

– احتمال انخراط مباشر لقوى أطلسية

– خسارة قناة سياسية لا تزال مفتوحة

في العلاقات الدولية، ليست كل الأهداف قابلة للضرب، حتى لو كانت “شرعية عسكريا”. بعض الأهداف محاطة بهالة من الكلفة الاستراتيجية التي تجعل المساس بها أقرب إلى إشعال حريق في غرفة مليئة بالوقود. العلاقة بين إيران وتركيا ليست وليدة اللحظة. منذ قرون، بين الدولة الصفوية والدولة العثمانية، لم يكن الصراع صفريا بالكامل. كان هناك اقتتال، نعم، لكنه انتهى دائماً إلى توازن حدودي، لا إلى إلغاء أحد الطرفين للآخر. هذا الإرث التاريخي صنع قاعدة غير مكتوبة: التنافس مسموح، لكن الانفجار الشامل مرفوض. تركيا اليوم ليست خصما وجوديا لإيران، بل منافس إقليمي يتقاطع معها أحيانا في سوريا والعراق والقوقاز، ويتعاون معها أحيانا أخرى في ملفات الطاقة والتجارة. الاقتصاد بين البلدين ليس هامشيا، بل شبكة مصالح يصعب تجاهلها في زمن العقوبات. الحرب، بطبيعتها، مصنع روايات. ما يعلن ليس دائما ما يقصد، وما يقصد ليس دائما ما ينفّذ. في اللحظة الساخنة، يبدو المشهد واضحا: صواريخ، بيانات، تهديدات. لكن خزائن الحروب تنتج ببطء. كثير من القرارات لا تفهم إلا بعد سنوات، حين تتكشف الوثائق وتبرد الأعصاب. التاريخ يعلّمنا أن:

– بعض الامتناعات أهم من الضربات

– بعض الصمت أعلى صوتا من القصف

– وبعض التحالفات المؤقتة تخفي تنافساً طويل الأمد

لكن لماذا لم تضرب إيران تركيا؟ لأن السياسة ليست اندفاعا، بل هندسة احتمالات. تركيا تمثل:

– كلفة أطلسية مرتفعة

– قوة عسكرية لا يمكن تجاهلها

– قناة تفاوض محتملة

– عقدة جيوسياسية تمسك بمفاتيح البحر الأسود وشرق المتوسط

في الحروب الحديثة، لا يقاس الذكاء بعدد الصواريخ، بل بعدد الجبهات التي تجنبت فتحها.أما الحقيقة الكاملة؟ فهي لا تولد في يوم المعركة. بل تنمو في أرشيفات السنوات القادمة، حين نعيد قراءة هذه اللحظة بعيداً عن ضجيجها، ونسأل: هل كان الامتناع ضعفا؟ أم كان أقصى درجات القوة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *