لماذا يراهن ترامب على علي لاريجاني؟

 بقلم زكية لعروسي

 

 

 

في لحظات التحول الكبرى في التاريخ، تصاغ القرارات كذلك في المخيلة السياسية للرجال الذين يعتقدون أنهم قادرون على إعادة ترتيب العالم كما يعاد ترتيب قطع الشطرنج على رقعة مضطربة. ومن بين هؤلاء يقف دونالد ترامب ، الرجل الذي يرى السياسة الدولية كما يرى رجل الأعمال صفقة ضخمة: ضجيج كثير في البداية، ثم بحث هادئ عن الشخص الذي يمكن أن يوقّع العقد في النهاية. بعد الضربة الأمريكية التي أنهت حياة علي خامنئي ، دخلت إيران في لحظة تشبه الممر الضيق بين عاصفتين؛ دولة قديمة كجبل، لكنها فجأة بلا ظل الرجل الذي كان يقف على قمتها منذ عقود. في مثل هذه اللحظات، تبدأ العيون في واشنطن بالبحث عن شخص ليس بالضرورة الأقوى في طهران، بل الأكثر قابلية للحديث مع العالم. وهنا يظهر اسم علي لاريجاني  كأنه طيف قديم يعرفه الجميع، لكنه لم يكن يوما في مقدمة المسرح.

ترامب لا ينظر إلى الخصوم كما ينظر إليهم الدبلوماسيون التقليديون. هو لا يبحث عن أصدقاء بل عن مفاتيح. وفي الشرق الأوسط، حيث تتشابك السلطة  مثل جذور شجرة معمرة تحت الأرض، يصبح العثور على مفتاح واحد كافيا لفتح باب كامل. بالنسبة له، لارِيجاني ليس مجرد سياسي إيراني؛ إنه رجل يعرف الغرب كما يعرف الفارس طريقه في الصحراء. درس الفلسفة، فاوض الأوروبيين والأمريكيين حول الملف النووي، وجلس سنوات طويلة في قلب المؤسسة الإيرانية دون أن يتحول إلى رمز صدامي مطلق. في نظر ترامب، هذا النوع من الرجال يشبه الجسور القديمة فوق الأنهار الجبلية: قد تكون متصدعة، لكنها الوحيدة التي يمكن العبور عليها. الرئيس الأمريكي – الذي يفكر بعقلية رجل الصفقات – يدرك أن إسقاط رأس النظام لا يعني إسقاط النظام نفسه. إيران ليست دولة عادية يمكن إعادة تشكيلها بضربة عسكرية، بل حضارة سياسية تمتد لآلاف السنين. لذلك فإن أي محاولة لإعادة ترتيب المشهد تحتاج إلى شخصية من داخل النظام، شخص يعرف لغته وطقوسه ودهاليزه السرية. هنا يصبح لارِيجاني خيارا مغريا. فهو ليس جنرالا من الحرس الثوري الإسلامي  حتى ينظر إليه كرمز عسكري متشدد، وليس إصلاحيا ليبراليا قد ترفضه المؤسسة الدينية. إنه شيء بين الإثنين، كالرجل الذي يقف على عتبة باب بين غرفتين، يستطيع أن يسمع ما يقال في كلتيهما.

في الحسابات الأمريكية، هذه المنطقة الرمادية هي المكان الأكثر قيمة في السياسة. ترامب يعرف أيضا أن القوة الصلبة لا تكفي لإعادة ترتيب الشرق الأوسط. فالمنطقة مليئة بالجيوش والميليشيات والصواريخ، لكنها تفتقر إلى الوسطاء القادرين على الكلام. لذلك يبحث دائما عن شخص يستطيع أن يلعب دور “المترجم السياسي” بين عالمين متخاصمين: واشنطن وطهران. في مخيلة ترامب، قد يبدو لارِيجاني مثل لاعب شطرنج قديم جلس طويلا إلى الطاولة حتى حفظ حركات خصومه. رجل لا يحب الضجيج، لكنه يعرف كيف تتحرك القطع الثقيلة على الرقعة: الجيش، رجال الدين، الحرس الثوري، والبيروقراطية العميقة التي تمسك بخيوط الدولة. لكن اختيار رجل كهذا ليس مجرد قرار أمريكي. إنه أيضا مقامرة. داخل إيران، لا ينظر إلى لارِيجاني بالضرورة كمنقذ محتمل. بعض الإيرانيين يرونه جزءا من النظام الذي سئموا منه، وآخرون يشككون في قدرته على التأثير داخل المؤسسة العسكرية. السياسة الإيرانية تشبه مدينة قديمة مليئة بالأبواب  السرية؛ قد تملك المفتاح الصحيح لكنك لا تعرف أي باب سيفتح.

ومع ذلك، فإن منطق ترامب في السياسة الدولية بسيط إلى حد القسوة: إذا أردت التفاوض مع قلعة، فابحث أولا عن الرجل الذي يملك مفاتيح أبوابها الداخلية. وقد يكون لارِيجاني، في نظره، ذلك الرجل الذي يقف بين عالمين: عالم الثورة الإيرانية وعالم الدبلوماسية الدولية. المشهد كله يبدو أحيانا كلوحة غرائبية: واشنطن التي قصفت طهران تبحث الآن عن رجل من داخل النظام ليجلس معها إلى الطاولة. كأن الصقر الذي هبط على الجبل ليحطم عشه بدأ بعد العاصفة يبحث عن طائر يعرف تضاريس الجبل كي يدله على الطريق. وهكذا تتحول السياسة الدولية، مرة أخرى، إلى لعبة ظلّ معقدة. صواريخ في السماء، لكن المفاوضات تبدأ دائما على الأرض، بين رجال يعرفون كيف يتحدثون بلغتين في الوقت نفسه: لغة القوة، ولغة البقاء. وفي هذه المسافة الضيقة بينهما قد يجد علي لارِيجاني نفسه فجأة في قلب أكبر صفقة سياسية في الشرق الأوسط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *