بقلم زكية لعروسي، باريس
على وقع النتائج المدوّية للانتخابات البلدية الفرنسية 2026، التي شهدت تقدّما لافتا لليمين الوطني في العديد من البلدات الصغيرة والمتوسطة، وقعت حادثة تبدو رمزية لكنّها تحمل في طيّاتها أسئلة كبرى حول ملامح التحوّلات السياسية والهوياتية في فرنسا. ففي بلدة هارن الواقعة في إقليم باد كاليه، وبعد ساعات فقط من فوز قائمة التجمع الوطني بنسبة 50.29% في الدورة الأولى، قام رئيس البلدية الجديد أنطوني غارينو-غلينكوفسكي بأول قراراته: إزالة العلمين الأوروبي والأوكراني من على واجهة مبنى البلدية، ليبقى العلم الفرنسي وحده يرفرف.
هذا المشهد الذي التقطته عدسة الحزب الشيوعي المحلي، والذي أثار تساؤلا ساخرا من الشيوعيين (هل هو قرار سياسي أم مجرد غسيل في الغسالة؟)، لا يمكن قراءته بوصفه مجرد استعراض شعائري. إنه، في العمق، إعلان عن تحوّل في ثقافة السلطة المحلية، وإعادة تشكيل للرموز التي تتوسّط العلاقة بين المؤسسة والمواطن. لكن ما سرّ هذا الصنيع؟ وما الأسئلة التي يثيرها في لحظة فرنسية وأوروبية شديدة التعقيد؟ ليس عشوائيا أن يكون العلمان المستبعدان هما العلم الأوروبي والعلم الأوكراني. فهذان الرمزان، على مدى السنوات الأخيرة، تحوّلا إلى علامات سياسية-أخلاقية بامتياز: العلم الأوروبي رمز للانتماء إلى التكتل الذي طالما انتقده اليمين الوطني بوصفه كيانا بيروقراطيا متجاوزا للسيادة الوطنية؛ والعلم الأوكراني تحوّل، منذ العام 2022، إلى راية تضامن إلزامي، وإلى اختبار للولاء للغرب الموحّد في مواجهة موسكو. بإزاحتهما معا، يرسل رئيس البلدية الجديد رسالة مزدوجة: الأولى، أن الانتماء إلى الجمهورية الفرنسية يكفي، وأن الرموز فوق الوطنية ليست مرحّباً بها في فضاء المؤسسة العمومية؛ والثانية، أن التضامن مع أوكرانيا- الذي رفعته الدولة الفرنسية والاتحاد الأوروبي إلى مرتبة الواجب الأخلاقي – لم يعد إجماعيا على المستوى المحلي، بل يمكن مراجعته وفقا لقناعات انتخابية محضة.
في تصريح لصحيفة “صوت الشمال” ، عرّف غارينو-غلينكوفسكي نفسه بأنه “سيادي”، مشيرا إلى أن “علما واحدا فقط يجب أن يرفرف على المباني العامة”. إستند في تبريره لإزالة العلم الأوروبي إلى أن سكان هارن صوّتوا بنسبة كبيرة “بلا” في استفتاء 2005 حول الدستور الأوروبي. لكن هذا التبرير، مهما بدا محايداً، لا يخفي أن الفعل ينتمي إلى منطق “إعادة الترميز” السياسي: استبدال رمزية الانفتاح الأوروبي والأطلسي برمزية الاستقلالية الوطنية.
أما السخرية الشيوعية من احتمال أن تكون الأعلام ذهبت إلى “الغسالة”، فتشير إلى سخرية أعمق: أن هذا المشهد لم يعد مستغربا، بل أصبح جزءا من “الطقس السياسي” الجديد الذي يتحوّل فيه النقاش حول الهوية إلى معارك يومية على واجهات البلديات. إذا توقّفنا عند هذا المشهد المتفرّد، يمكننا أن نطرح أسئلة تمتد إلى ما وراء بلدة صغيرة في باد كاليه:· لماذا الآن؟ في وقت تتجه فيه قيادة التجمع الوطني إلى تطبيع صورتها وترطيب خطابها، والابتعاد عن شعارات “البريكسيت” الصريحة، يعود رئيس بلدية محلي لاستدعاء هذا المورّد الرمزي. هل هو اجتهاد فردي، أم رسالة موجهة إلى القاعدة الانتخابية بأن “السيادة” لا تزال هي الجوهر، حتى لو غيّر الحزب أولوياته الوطنية؟·
ماذا يعني إسقاط العلم الأوكراني؟ في بلدة عمالية سابقة كانت تُعرف بمعاقلها الشيوعية، يتحوّل العلم الأوكراني فجأة إلى “سلعة سياسية” يمكن رفعها أو إنزالها بحسب اللحظة. هل يصبح التضامن مع دولة تواجه حربا وجودية رهينةً للتبدلات البلدية؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكن فهم استمرارية السياسة الخارجية للدولة عندما تخترقها رموز محلية متضاربة؟ · أين حدود “السيادة” المحلية؟ هل يحق لرئيس بلدية أن يقرر، منفردا، إزالة أعلام تمثل مؤسسات دولية فرضت فرنسا نفسها عضوا فيها، أو تمثل دولة شريكة في التحالف الأوروبي-الأطلسي؟ أم أن هذه الرموز، بمجرد رفعها على مبنى عمومي، أصبحت جزءا من “التراث السياسي” للمؤسسة، لا يمكن المساس به إلا بعد نقاش مجتمعي أوسع؟· كيف يقرأ التاريخ هذا التحوّل؟ هارن هي بلدة ظلّت لعقود تحت إدارة بلديات شيوعية، ثم تحولت إلى الحزب الاشتراكي منذ 2008. اليوم، يرفع فيها رئيس بلدية من اليمين الوطني شعار “فرنسا أولا” على واجهة البلدية. هل هو تعبير عن تغيّر الطبقة العاملة، أم عن استنزاف النخب التقليدية، أم عن نجاح اليمين في احتكار خطاب “حماية الهوية” أمام العولمة؟
في زمن تتشظى فيه الرموز وتتحول إلى ساحات حرب ثقافية، فإن ما حدث في هارن ليس مجرد حادثة محلية. إنه اختبار مصغّر لصراع أكبر حول معنى الانتماء في فرنسا: هل هو انتماء وطني خالص، أم هو انتماء متعدّد المستويات (أوروبي، أطلسي، عالمي)؟ وهل يحق للمواطنين، عبر صناديق الاقتراع المحلية، أن يعيدوا تعريف تلك الرموز في فضاءاتهم القريبة؟ ربما يكون السرّ الذي يبحث عنه السائل في “هذا الصنيع” هو أن السياسة، في نهاية المطاف، ليست فقط برامجَ وإحصاءات، بل هي أيضا روايات ورموز تكتب على جدران البلديات. وما يجري الآن هو أن هذه الجدران باتت ساحة معركة لإعادة كتابة تلك الروايات، بعيدا عن أي “غسالة” يمكنها أن تعيد الأمور إلى سيرتها الأولى. يبقى السؤال الأعمق: بعد إسقاط علمي أوروبا وأوكرانيا، أي الأعلام سيكون التالي؟ وما هي “الغسالة” القادرة على إعادة ترتيب المشهد الرمزي الفرنسي في زمن تتصارع فيه الهويات؟
📲 Partager sur WhatsApp