بقلم د, زكية لعروسي
إن الحديث عن مقتل علي خامنئي ليس مجرد خبر أمني في نشرات عاجلة، بل حدث يعيد تعريف التوازنات داخل إيران وحولها. فالرجل لم يكن رئيسا يمكن استبداله بانتخابات، ولا قائدا عسكريا يعيَّن بمرسوم، بل كان العمود الفقري لمنظومة سياسية–دينية تشكّلت على مدى أكثر من ثلاثة عقود، منذ أن تسلّم الراية خلفا لـ Ruhollah Khomeini عام1989 .خامنئي لم يكن مجرد حارس لإرث الثورة الإسلامية؛ لقد أعاد صياغته بما يلائم مرحلة ما بعد الحرب العراقية–الإيرانية، ونسج شبكة دقيقة من التوازنات بين المؤسسة الدينية، والدولة العميقة، و Islamic Revolutionary Guard Corps الذي تحوّل في عهده من ذراع أمني إلى إمبراطورية عسكرية واقتصادية عابرة للحدود. بذلك المعنى، فإن غيابه لا يخلق فراغا إداريا فحسب، بل يفتح سؤال الشرعية في نظام يستمد تماسكه من مركزية “المرشد”. لكن الاعتقاد بأن موت القائد يعني انهيار النظام تبسيط مخلّ. التجربة الإيرانية نفسها تقدّم سابقة مع وفاة الخميني، حين توقع كثيرون تصدّع الجمهورية الفتية، فإذا بها تتماسك وتعيد ترتيب صفوفها. الفرق اليوم أن إيران ليست تلك الدولة الخارجة من حرب والمندفعة أيديولوجيا بثقة مطلقة؛ إنها دولة مُثقَلة بالعقوبات، محاصرة اقتصاديا، ومرهقة من احتجاجات متقطعة، ومتشابكة في صراعات إقليمية تمتد من لبنان إلى اليمن. في هذا السياق، يصبح غياب خامنئي اختبارا لقدرة النظام على إعادة إنتاج نفسه دون رمزه الأعلى.
دستوريا، ثمة آلية واضحة لاختيار خليفة عبر مجلس خبراء القيادة، غير أن السياسة في طهران لا تدار بالنصوص وحدها، بل بتوازنات القوة. الحرس الثوري، الذي تضخّم نفوذه خلال العقود الماضية، لن يكون مراقبا محايدا في لحظة انتقال كهذه. وقد يميل إلى دعم شخصية تضمن استمرار النهج ذاته، أو ربما شخصية أكثر صلابة ترى في اغتيال المرشد إعلان مواجهة مفتوحة لا تحتمل أنصاف الحلول. هنا لا يتعلق الأمر بشخص يخلف شخصا، بل باتجاه دولة: هل تمضي نحو انضباط أشدّ، أم نحو إعادة تموضع براغماتية تمليها الضرورات الاقتصادية؟
إقليميا، ستتجاوز التداعيات حدود طهران سريعا. إسرائيل، بقيادة Benjamin Netanyahu، قد تعتبر الحدث اختراقا استراتيجيا غير مسبوق، لكن التجربة تظهر أن إيران حين تضرب في الرأس تميل إلى الرد عبر الأطراف. شبكة الحلفاء والوكلاء التي بنيت بعناية خلال سنوات ليست مجرد أدوات ضغط، بل جزء من عقيدة ردع غير متماثلة. أي تصعيد قد لا يأتي بصيغة حرب تقليدية، بل كسلسلة ارتدادات موزعة بعناية على جغرافيا المنطقة. أما الولايات المتحدة، حيث أعلن Donald Trump مواقف متباينة قبل أن يذهب إلى تأكيد الخبر، فتجد نفسها أمام معادلة حساسة: هل تدفع باتجاه تغيير نظام تعتقد أنه يترنح، أم تسعى إلى احتواء انفجار قد يجرّ المنطقة إلى حرب أوسع؟ الرغبة في إعادة رسم المشهد الإيراني تصطدم دائما بحقيقة أن انهيار الدول الكبرى في الشرق الأوسط نادرًا ما ينتج فراغا قابلا للسيطرة. في الداخل الإيراني، قد يكون الاحتمال الأكثر تعقيدا هو صراع النخبة الصامت. رجال دين تقليديون يخشون عسكرة القرار، تيار أمني يرى نفسه الأقدر على حماية الدولة، وسياسيون محافظون يتطلعون إلى لحظة تاريخية تعيد توزيع النفوذ. إن تحوّل هذا التنافس إلى انقسام علني، فقد نشهد تحولا تدريجيا في طبيعة النظام، لا عبر ثورة شعبية فورية، بل عبر إعادة صياغة بطيئة لمعادلة السلطة.
ومع ذلك، لا ينبغي إغفال عنصر المشاعر الجمعية. اغتيال قائد بحجم خامنئي قد يوقظ حسا قوميّا يتجاوز الانقسامات الداخلية، ويمنح السلطة فرصة لتوحيد الصفوف تحت شعار “الدفاع عن السيادة”. في الأنظمة المؤدلجة، يتحول الدم أحيانا إلى مادة تعبئة أكثر فعالية من الخطاب. ما يجري، إذن، ليس سؤال عن موت رجل، بل عن قدرة دولة على العبور من زمن الزعامة الفردية إلى زمن ما بعدها دون أن تفقد توازنها. إيران ليست نظاما هشا يسقطه غياب شخص، لكنها أيضا ليست كيانا جامدا لا يتأثر بفقدان مركز ثقله. بين هذين الحدّين، يتحدد مستقبلها. وفاة خامنئي، لن تكون نهاية الجمهورية الإسلامية، بل بداية مرحلة ستختبر فيها صلابة مؤسساتها وحدود طموحات خصومها معا. الشرق الأوسط لا يعرف الفراغ، وكل اهتزاز في طهران يتردد صداه في عواصم بعيدة. السؤال الحقيقي ليس إن كان العرش قد اهتز، بل إن كانت البنية التي تحته .قادرة على .امتصاص الصدمة أم أن التاريخ يستعد لكتابة فصل أكثر اضطرابا مما نتوقع
