ما معنى أن تعيش عالما التهمت السرعة أشياءه ؟

بقلم د. محمد طواع

تشير مظاهر عصرنا، إلى صور كثيرة، تقربنا من هذا الوضع، الذي هو آخذ في اكتساح شرطنا الوجودي اليوم:يمكن ملاحظة ذلك ليس فقط في ما يظهر على مستوى عالم التكنولوجيا، وما يعرفه من سرعة على مستوى الاختراعات الأكثر ذكاء، بل ما يهمنا أساسا، هو ما يلحق أسلوب الأفراد في الحياة اليومية.  على سبيل التمثيل نذكر بعض هذه المظاهر، أو بعض من صور الوجود المعاصر. ما يهم أسلوب الأكل، نلاحظ أن الكائن المعاصر لم يعد يأكل بل” يلتهم” فقط، بحيث أنه لم يعد ينتبه إلى ما هو بصدد التهامه، أو يتساءل عن مصدر المواد التي هو بصدد تناولها مادة للتغذية. بل أكثر من ذلك لم يعد يتذوق، بحيث أن جميع مواد التغذية، “واحدها” هما الملح أو السكر. قطبان قد هيمنا على جل أنواع “الفاست فود”. أما وجه الغرابة، فهو لما تلاحظ أن كثيرا من الشباب يتناولون وجبة، وأعينهم ليس على ما يأكلون، بل على شاشة الهاتف. يد تمرر، بشكل غير متوقف، أصبعا على تلك الشاشة وبكل تركيز وانتباه، واليد الأخرى قابضة على ما هو بصدد التهامه، بدون أي انتباه أو تذوق. لم يعد الطعام زمنا يعاش، بل صار لحظة تبتلع. في مطاعم الوجبات السريعة لا نأكل لنتذوق، بل لننتهي. نختصر المضغ كما نختصر الطريق. الفاست فود ليس مجرد طعام، إنه إيقاع، إيقاع السرعة التي لا تحتمل البطء أو الانتظار، ولا تمنح الجسد فرصة الاستماع إلى شهوته. نأكل واقفين، أو ونحن نمشي، كأن البطء ترف لا يحتمل، أو أنه زمن لم يعد لنا. وهكذا تتحول اللقمة إلى عبور سريع، وتغدو الشهية جزءا من سباق لا نتذكر متى بدأ.

لنأخذ صورة أخرى تتعلق بفعل التكلم وملكة الكلام: هاذان القدرتان بدأتا في التلاشي، ليحل محلهما فعل الثرثرة أو الهذر أو ما يصطلح عليه دردشة. ونعرف أن الترثرة هي درجة أدنى في التكلم، هي ليست قولا. إنها ما يقترب من القول، وكأن الكائن المعاصر أمست له الرغبة في التمويه لإخفاء المعنى. خلافا لذلك، الكلام بوصفه قولا، يسمي الأشياء بمسمياتها الثقيلة، أما مع الثرثرة فالمرء لا يقول، بل وكأنه يؤجل القول، ليمنح الصمت مساحة سرية، بين كلمات تتقافز على طاولة المقهى، من طرق موضوع حالة الطقس إلى التحدث عن جذاء جديد، أو عن خبر جديد لم نتحقق منه، سماع قهقهات امتدت عن سماع نكتة خفيفة… كل كلمة تجر أختها من يدها، لا لتصل إلى نتيجة، بل لتدور في المكان عينه. أما الكلام بالفعل، فهو التزام، يفتح بابا لا يمكن إغلاقه، من دون ترافع و محاججة أو إقناع.

أما الصرورة الثالثة، التي نقترحها للتأمل ما نحن عليه، مع هذا الزمن الضنين، فهي تلك التي يكون فيها المرء أمام شاشة الهاتف أو التلفزيون، فهو لا يشاهد بل هو فقط يعبر بسرعة بين المحتويات أو القنوات، بمعنى أنه ينتقل بسرعة بدون تركيز، كذاك الذي يقفز ويتخطى دون انتباه. ما يعني أنه لا يشاهد، بل يقلب ويتجاوز، إلى درجة أن أصابعنا صارت أسرع من عيوننا، وهذ الأخيرة أسرع من قدرتنا على الفهم. نقوم بفعل “الزاب” ليس إلا، كأن الثبات يهددنا والمعنى فخ يبطئ حركتنا. وهكذا نقضي يومياتنا عابرين بدون توقف، لا لأن العالم سريع، بل لأننا لم نعد نحتمل زمن البطء، ونحن نعرف كم من الوقت يحتاجه المعنى، كي نعيشه بوصفه مادة للتأمل. هذا الوضع هو ما يقربه منا الروائي التشيكي ميلان كونديرا، في جل رواياته، وخاصة روايته “البطء”، وقف على تلك العلاقة الملغزة بين السرعة والنسيان: كلما ازدادت السرعة، ازداد النسيان، وكلما تباطأنا، اقتربنا من الذاكرة. لنخلص معه إلى أن فعل “الزاب”، ليس مجرد حركة إصبع على جهاز تحكم، بل هو أسلوب وجود ضد التذكر. ينتقل المرء من صورة إلى أخرى، أو من خبر إلى آخر، قبل أن يترك أي منها أثرا في وعينا. السرعة تمنحنا وهم السيطرة، لكنها في العمق، تسلبنا القدرة على الاحتفاظ بأثر شيء ما. ذهب كونديرا إلى أن الانسان المعاصر، لا يركض فقط نحو المستقبل، بل يهرب من ثقل الذاكرة، ومن الاضطرار إلى الفهم.

لقد اختفى زمن البطء والروية، وحل محله زمن السرعة  والتسرع. ما يطرح السؤال: هل فعلا قدرنا مع عصر التقنية، يتطلب كل هذه السرعة، لتستقيم الإقامة على الأرض؟ ما يمكن قوله هو أن زمن جمال العالم وشعريته، قد أخذ في الانفلات من أيدينا، من تأملنا أو من نظرتنا إلى الأشياء الجميلة والجليلة، وخاصة الطبيعية منها. ولما أمسى الفرد غارقا في عزلته، أخذت كثير من القيم في التلاشي: حساسية تحمل الآخر، مفهوم الصداقة أو الرفقة، بل حتى معنى الضيافة أصابه الوهن كذلك. ذلك لأن العالم أمسى مجرد صورة . لذلك أجدني أحافظ، بين بعض الموسوعات القديمة بمكتبتي، على ساعة قديمة، لما لها من قيمة، لكون ثبات حضورها بين الكتب، يشي بزمن توقف منذ زمان. لنحافظ على ملكة التأمل، التي تعتبر أساس إعمال الفكر، الذي يفرض زمنه الرفيع، ذلك الذي يتميز بالبطء اللازم، الذي يقتضيه نضج الفاكهة. وهو نوع من المقاومة، لما هو آخذ في الانتشار، بوصفه عالما للبلاهة

3 thoughts on “ما معنى أن تعيش عالما التهمت السرعة أشياءه ؟

  1. شكرا للاستاذة لعروسي على مجهودها من أجل أن أكل علينا الورقاء فيما هي تطرق مواضيع بأدوات فكرية لابد منها لفهم أنطولوجيتنا المعاصرة.

  2. كل هذه الصور التي تطرقت إليها بالإضافة الى صور أخرى سلبية تأثر على الإنسان في كل مناحي حياته اليومية خاصة الجسدية والنفسية والنتيجة إنتشار أمراض كثيرة ومزمنة بسبب نمط العيش الجديد والسريع مع ضهور وجبات الاكل السريع Fast Food

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *