مجتبى خامنئي بين دم العائلة وثقل الثورة

بقلم زكية لعروسي

وجدت إيران نفسها بعد مقتل علي خامنئي في الضربات الأميركية-الإسرائيلية التي هزّت طهران كجبل فقد قمته فجأة. فجأة أصبح السؤال الذي كان يدور همسا في الغرف المغلقة موضوعا يتردد في كل العواصم: من يرث عرش الجمهورية الإسلامية؟ في تلك اللحظة التي تشبه انكسار ساعة تاريخية، بدأ اسم مجتبى خامنئي يطفو فوق سطح المشهد مثل جزيرة تظهر بعد انحسار المد: رجل عاش سنوات طويلة في الظل، كأنما اختار أن يكون صدى السلطة لا صوتها، لكنه اليوم يقف في قلب العاصفة التي قد تعيد رسم توازنات الشرق الأوسط. إيران ليست دولة عادية في بنية النظام الدولي. إنها مزيج فريد من الدولة والثورة والعقيدة، حيث تتشابك المؤسسة الدينية مع الدولة العميقة، وتلتقي السياسة بالإيديولوجيا في متاهة يصعب على الغرب فك خيوطها. منذ الثورة الإيرانية، تشكلت سلطة المرشد الأعلى كقمة هرم تتجمع عندها خيوط القرار العسكري والديني والسياسي. ولذلك فإن غياب المرشد ليس مجرد انتقال للسلطة، بل زلزال داخل بنية النظام نفسه. في هذا الفراغ الثقيل يظهر مجتبى خامنئي، الإبن الذي ولد في مدينة مشهد المقدسة عام 1969، ونشأ في بيت كان يتشكل فيه تاريخ إيران الحديث. كان والده حينها رجل دين معارضا للشاه، قبل أن يتحول بعد الثورة إلى أحد أهم أعمدة النظام الجديد. في ذلك البيت تعلم مجتبى منذ طفولته أن السياسة ليست خطابا علنيا فحسب، بل شبكة من العلاقات والولاءات التي تبنى ببطء، مثل نهر يحفر مجراه في الصخر عبر الزمن.

لم يشغل مجتبى منصبا رسميا كبيرا في الدولة، لكنه ظل حاضرا في قلب  السلطة. كان كثيرون في طهران يصفونه بأنه “الرجل الذي يقف خلف الستار”، حيث يعمل داخل مكتب والده ويقيم شبكة علاقات مع القيادات الدينية والعسكرية، خصوصا داخل الحرس الثوري الإسلامي ، القوة التي تحولت خلال العقود الأخيرة إلى العمود الفقري للنظام الإيراني. في السياسة الإيرانية، لا يقاس النفوذ دائما بالمناصب. أحيانا يكفي أن يكون الرجل قادرا على تحريك الخيوط دون أن يظهر على المسرح. وقد كان مجتبى خامنئي مثالا لهذا النوع من النفوذ الصامت. رجل قليل الظهور في الإعلام، قليل الخطابات، لكنه حاضر في مفاصل القرار. هذا النمط من السلطة يذكر بمشهد غرائبي من مسرح قديم: ملك يجلس على العرش أمام الجمهور، بينما يقف خلف الستارة إبن يراقب حركة الممثلين ويحفظ النص كاملا. وعندما يسقط الستار فجأة، يجد الابن نفسه أمام المسرح كله. لكن الطريق إلى منصب المرشد الأعلى ليس مجرد انتقال عائلي بسيط. فالجمهورية الإسلامية قامت أصلا على فكرة رفض الملكية الوراثية التي حكمت إيران قرونا. لذلك فإن احتمال انتقال السلطة من الأب إلى الإبن يثير نقاشا عميقا داخل المؤسسة الدينية والسياسية. هل تتحول الجمهورية الثورية إلى نوع من السلالة السياسية؟ أم أن النظام سيبحث عن شخصية دينية أخرى تحافظ على التوازن بين التيارات المختلفة؟

مع ذلك، فإن مجتبى يمتلك أوراقا قوية. فهو رجل دين درس في حوزة قم، المدينة التي تشكل القلب الفقهي للشيعة في إيران. كما أنه بنى علاقات وثيقة مع القيادات العسكرية التي تمسك بملفات الأمن الإقليمي، من العراق إلى سوريا ولبنان. في دولة مثل إيران، حيث تتقاطع السلطة الدينية مع القوة العسكرية، يمكن لهذه الشبكة أن تصبح جسراً نحو القمة. لكن هذه القوة نفسها تحمل تناقضا. فالرجل الذي يملك نفوذا واسعا داخل النظام لا يحظى بالضرورة بإجماع شعبي. داخل المجتمع الإيراني، المنهك من العقوبات الاقتصادية والاحتجاجات المتكررة، ينظر كثيرون بحذر إلى فكرة استمرار السلطة داخل الدائرة الضيقة نفسها. وهكذا تقف إيران اليوم عند مفترق تاريخي. بلد يمتد تاريخه لآلاف السنين، لكنه يعيش لحظة تبدو كأنها صفحة بيضاء في كتاب قديم. في تلك الصفحة قد يكتب إسم مجتبى خامنئي بوصفه المرشد الأعلى الجديد، أو قد يظهر إسم  آخر من داخل المؤسسة الدينية. المشهد يشبه مدينة فارسية قديمة بعد زلزال مفاجئ: الجدران ما زالت واقفة، الأسواق ما زالت مزدحمة، لكن الناس ينظرون إلى القلعة على التل ويتساءلون من سيشعل المشعل فوق برجها الليلة. لا تتغير الدول الكبرى بسهولة. إيران تشبه نهر دجلة في الأساطير القديمة؛ قد يتغير مجراه قليلا بعد كل عاصفة، لكنه يواصل الجريان عبر القرون. والسؤال الحقيقي ليس فقط من سيجلس على كرسي المرشد، بل كيف سيعيد هذا الرجل رسم العلاقة بين الثورة والدولة، بين إيران والعالم، في زمن تتغير فيه خرائط القوة بسرعة تشبه حركة الرمال في صحراء لا تهدأ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *