مرسيليا: الحكاية الجديدة لبداية أكبر

بقلم زكية لعروسي, باريس

في مساء مضمّخ برائحة الملح وصوت الموج المتكسّر كأنّه نشيد قديم للبحر، خرجت من مرافئ مرسيليا حكاية أخرى، لا تروى بالحبر وحده، بل تكتب بخشب القوارب، وبأنفاس الذين آمنوا أنّ الأفق ليس نهاية، بل بداية لجرأة أكبر. كانت المراكب، وهي تنسلّ من حضن الميناء، تبدو كطيور بحرية استعادت ذاكرتها الأولى، ترفرف لا بأجنحة من ريش، بل بأشرعة من عناد أبيض. وعلى اليابسة، كان الحشد يشتعل بصوت واحد، كأنّ المدينة نفسها صارت حنجرة، تهتف لغزة، لا كاسم على الخريطة، بل كجرح مفتوح في ضمير العالم.

“مرسيليا معك يا غزة”، لم تكن مجرد عبارة، بل كانت وعدا يطفو فوق الماء، يرافق تلك القوارب وهي تشقّ زرقة مثقلة بالأسئلة. من هؤلاء الذين يبحرون؟ أبحّارة؟ حالمون؟ أم شهود ضاق بهم البرّ فاختاروا أن يكتبوا احتجاجهم على صفحة البحر؟ في تلك اللحظة، لم يعد المتوسط مجرد بحر يفصل بين ضفتين، بل صار مسرحا أسطوريا، تتقاطع فيه الإرادات: إرادة الحصار، وإرادة كسره. وكل موجة كانت كأنها تصفّق، أو ربما تحذّر، أو حتى تبارك تلك المغامرة التي تقاس بما تحمله من معنى.

إسم “مادلين” الذي تردّد في الأفق، لم يكن مجرد إشارة إلى امرأة من غزة، بل كان استعارة كاملة: امرأة تقف في وجه الموج، تصطاد الحياة من قلب الحصار، فتغدو رمزا يبحر باسمه الآخرون. كأنّ كل قارب هناك يحمل ظلّها، وكل شراع يرفرف بذاك الصبر الذي لا ينكسر. ومع كل ميل بحريّ، كانت الحكاية تكبر. لم تعد مجرد مبادرة، بل صارت سردا حيًا: ناس يغامرون، بحر يختبرهم، وعالم يراقب، متردّدا بين الصمت والدهشة. هل تصل القوارب؟ ربما. هل تكسر القيود؟

سؤال أثقل من الحديد. لكن المؤكد أنّ شيئا ما قد تحرّك، ليس فقط في الماء، بل في القلوب التي تابعت هذا الرحيل. هكذا، غادرت القوارب، لكنّها تركت خلفها صدى لا يغادر: أن في هذا العالم، رغم كل العتمة، من لا يزال يعتقد أنّ البحر يمكن أن يكون طريقا للعدالة، وأنّ الأشرعة، مهما بدت صغيرة، قادرة على تحدّي الريح… إذا امتلأت بما يكفي من الحلم.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “مرسيليا: الحكاية الجديدة لبداية أكبر

  1. لا بحارة ولا حالمون، هم منفذو حكمة الطائر الكوليبري، الطائر الطنان، الذي قام ” بما يلزم فعله” لمقاومة احتراق الغابة، عوض الاصطفاف مع جهة جوقة الفرحة. إنهم أصدقاء الأرض وما ومن عليها، يقولون بفكرة الإبحار جهة الأرض التي لم تعد هي الأرض، بالنسبة لأصحاب الأرض التاريخيين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *