مسجد باريس الكبير بين المئذنة والميكروفون

بقلم د.زكية لعروسي

في قلب باريس، حيث يتصافح الحجر مع الضباب وتتناظر المآذن مع الأجراس في صمت حضاري طويل، يقوم مسجد باريس الكبير لا بوصفه مبنى فحسب، بل باعتباره ذاكرة قائمة في هيئة معمار. لم يولد من جغرافيا واحدة، ولا من سردية منفردة، بل تشكل من طبقات متراكمة من التاريخ المتوسطي، حيث تداخلت مساهمات المغرب العربي في نسيج واحد، واحتضنته الجمهورية الفرنسية ضمن إطارها القانوني والسياسي. ساهم المغرب بلمسته المعمارية الأندلسية، حضور الزليج والخط والصومعة كأنها شذرات من فاس ومراكش. وأسهمت الجزائر بثقلها البشري والاجتماعي في فرنسا، بما تمثله جاليتها من امتداد تاريخي عميق. أما فرنسا فوفرت الإطار المؤسسي الذي أتاح للمشروع أن يرى النور في سياق معقد من إعادة ترتيب العلاقة مع رعاياها المسلمين بعد الحرب العالمية الأولى. ثلاث دوائر لم يكن يفترض بها أن تتنازع، بل أن تتكامل، كألوان سجادة شرقية لا يظهر جمالها إلا بتجاورها.

من هنا ينبغي أن يقرأ أصل المسجد: لا كساحة تنافس رمزي، بل كنسيج تشارك. فهو، من حيث الفكرة، بيت يتجاوز الخرائط. في صفوفه يقف المغربي الى جوار الجزائري، والتونسي الى جوار السنغالي، والفرنسي المسلم الى جوار القادم من أقصى الشرق. الصف لا يسأل عن جواز سفر، والسجود لا يميز بين لهجة ولهجة. لذلك فإن أي عبارة توحي بالاختزال، ولو بحسن نية، تتضخم في الفضاء العام وتستدعي أسئلة حول اتساع الخطاب لروح المكان. الإشكال لا يكمن في النوايا، بل في الرموز. فالمؤسسات الدينية الكبرى لا تمثل إدارة فحسب، بل تمثل إيقاعا روحيا لجمهور واسع. وعندما يقع ارتباك في إعلان بداية شهر رمضان، يبدو الأمر في ظاهره تقنيا، لكنه في مؤسسة ذات وزن رمزي يتحول إلى مسألة صورة وانسجام. ليس لأن السماء اضطربت، بل لأن الأرض لم تتفق على لغة واحدة لقراءة الهلال. غير أن المسألة أعمق من تاريخ يوم. إنها سؤال التوازن بين الديني والمؤسساتي. في عالم تتشابك فيه الهويات الوطنية مع الامتدادات الدينية، يصبح من السهل أن يتسرب خطاب الدولة الى فضاء العبادة، لا بدافع صدام، بل بحكم السياق. وهنا تكمن الدقة: كيف نحافظ على صلة المسجد بتاريخ داعميه دون أن يتحول إلى مرآة لهوية واحدة؟ كيف نعترف بالدور الجزائري الاجتماعي والمؤسساتي، وبالدور المغربي المعماري والحضاري، وبالإطار الفرنسي القانوني، من دون ان يختزل المسجد في اي منها؟

في كتب التراث، حين كتب الماوردي في “الأحكام السلطانية”، لم يكن المسجد مجرد موضع عبادة، بل فضاء تتجاور فيه الشريعة والسياسة. كان بيتا للعبادة ودارا للشورى ومنبرا للبيعة. لم يكن محايدا، لكنه لم يكن أسيرا لعصبية ضيقة. كان يتنفس من روح الجماعة، والجماعة عند الفقهاء ليست جالية، بل رابطة اعتقاد وسلوك تتجاوز الدم والعرق.
– وعندما تحدث إبن خلدون عن العصبية، أشار إلى قوة الالتحام التي تصنع الدول. كل دولة تبحث عن رمز، والمسجد رمز بالغ الحساسية، لأنه يختزن الشرعية في الوجدان. من يقترب من الرمز يقترب من الخيال الجمعي. وهنا تتسلل السياسة في صمت، لا كخطب مباشرة، بل كظل خلف الكلمات. التلعثم في إعلان، أو ضمير لغوي يضيق بعد أن كان متسعا، قد يكشف توترا بين أفق أممي وتمثيل مؤسساتي محدود.
– وحين حذر أبو حامد الغزالي في “إحياء علوم الدين” من اقتراب العلماء من السلطة، لم يكن يدعو إلى قطيعة مطلقة، بل إلى يقظة في النية. أن يظل الدين بوصلة لا أداة، وأن يبقى المنبر صوت معنى لا مجرد ميكروفون مؤسسة. المسألة ليست في التعاون مع الدولة، فهذا واقع تاريخي لازم كل المساجد الكبرى، من الأزهر الى غيره، بل في أن يتحول الخطاب الديني على لسان حصري لسيادة معينة.
– وفي الفلسفة السياسية، تخيل الفارابي المدينة الفاضلة حيث يكون الرئيس حكيما غايته الخير المشترك. المسجد في هذه المدينة ليس ملك جماعة دون أخرى، بل قلب المدينة النابض. فإذا ضخ القلب الدم في شريان واحد وترك بقية الجسد عطشى، اختل التوازن، ولو ظل البناء قائما.

لا يمكن إنكار التاريخ. فالمساجد الكبرى في أوروبا خلال القرن العشرين ارتبطت بسياقات استعمارية وما بعد استعمارية، وكانت ساحات نفوذ ناعم للدول. هذا منطق دول، لا مؤامرة غامضة. لكن الفرق دقيق بين الارتباط الواعي والاحتكار الرمزي. يمكن للمؤسسة أن تستفيد من دعم دولة، دون أن تختزل نفسها في هويتها. يمكنها أن تتعاون، من دون أن تنطق بضمير حصري. المعضلة تظهر حين تتضخم الذاكرة الوطنية على حساب الذاكرة الدينية الجامعة. المسجد نص مفتوح تكتب فيه كل الجاليات سطورها. فإذا ضاق الخطاب، شعر بعضهم أنه ضيف في بيت يفترض أنه بيته. هنا يولد احتقان صامت، لا في الشارع، بل في الوجدان. ليست القضية من يدير الحجر، بل من يسكن الرمز. فالملكية القانونية تسجل في الدفاتر، أما الملكية الرمزية فتسكن القلوب. وحين يتحول المنبر إلى منصة تمثيل، يفقد شيئا من خفته الروحية. السؤال الفلسفي ليس هل الخطاب سياسي أم ديني، بل هل يستطيع أن يظل دينيا وهو يعبر عبر قنوات السياسة. رمضان، حين يعلن، لا يعلن باسم جالية، بل باسم افق. الهلال اشارة زمنية تذكر الناس بوحدتهم أمام الجوع والرجاء. فإذا التبس الضمير، التبس المعنى. ليست المشكلة في الانتماء، بل في احتكار الانتماء. وليست في الاعتراف بدور هذا الطرف أو ذاك، بل في اختزال الكل في جزء.

ربما آن الأوان لإعادة صياغة لغة تليق بالمقام. لغة تشير الى الصف قبل الإشارة إلى الجالية، وإلى القبلة قبل الحدود، وإلى المشترك قبل المختلف. لغة تقول: نحن مسلمو فرنسا، أصول مغاربية وإفريقية وأسيوية وأوروبية، لكننا في المسجد صف واحد. يبقى السؤال معلقا كقنديل في صحن قديم: هل نريد مسجدا يمثل دولة، أم مسجدا يمثل الأمة؟ وهل يمكن للمنبر أن يظل منبرا إذا تحول إلى منصة؟ ليست هذه الأسئلة اتهاما، بل دعوة الى تأمل هادئ يعيد للرمز سعته.
فحين يكون البيت بيت الله، لا يسعه إلا أن يكون أوسع من خرائطنا، وأرحب من عصبياتنا، وأعمق من إدارات عابرة. المئذنة لا ترفع علما، بل ترفع آذانا. والميكروفون، إن لم يحمل معنى جامعا، يصبح مجرد صدى. بين الحجر والصوت، بين التاريخ والراهن، تظل الحكمة في أن يبقى المسجد جسرا لا خندقا، وذاكرة لقاء لا ساحة تنازع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *