بقلم د. زكية لعروسي
في الفصل الأول من هذه المسرحية القطبية، يدخل دونالد ترامب مرتديا معطفا من نار الكلمات، يلوّح بخريطة كأنها مرآة نرجسية، ويهمس للجليد: «كن لي». وعلى الضفة الأخرى، تقف جرينلاند مثل أميرة من أساطير الفايكنغ، تاجها من شفق أخضر، وعرشها من صمت أبيض، تبتسم ابتسامة باردة تذيب المدافع وتجمّد الخطب. ليس في الأمر شراء عقار على أطراف العالم، بل هو حلم قيصر يبحث عن نجمة إضافية على كتفه. منذ عاد الرجل إلى البيت الأبيض، وهو يحدّثنا عن «أمن» يختبئ في ثنايا الجليد، وعن خرائط تعاد كتابتها كما تُعاد صياغة التغريدات. كأن الجغرافيا دفتر شيكات، وكأن البحار يمكن أن تقاس بالتصفيق.
في ميونيخ، تحت أضواء مؤتمر الأمن، خرجت ميتى فريديكسون بعبارة تشبه المطرقة على سندان الدبلوماسية: «الرغبة لم تنطفئ». قالتها وكأنها تعلن استمرار العرض، فالجمهور لم يغادر مقاعده بعد، والستارة لم تُسدل. أما في كواليس الأطلسي، فإسم النيتو يلمع مثل تميمة تعلّق على صدر الحكاية، يعِدُ بإطار تفاوضيٍّ يوسّع النفوذ ويقلّص الضجيج أو العكس.
أيها السادة، إننا أمام مشهدٍ يختلط فيه الشمال بالجنوب، والواقعية بالسريالية. رئيس يرى في الجزيرة حصنا منيعا ضد رياح الصين وصرير الدب الروسي، وخصوم يرون في الخطاب عاصفة تثير الموج أكثر مما تبني السفن. وبين هذا وذاك، يقف شعب يهمس: «لسنا بندا في مزاد». اللغة هنا، ليست بلا معنى. فالقطب الشمالي ليس مجرد ثلاجة كونية؛ إنه خزّان طرق بحرية تفتح مع ذوبان متسارع، ومستودع موارد تتلألأ تحت الجليد ككنوز تنين نائم. وحين يلوّح ترامب بسيف «الأمن القومي»، فإنه يخاطب جمهورا يخاف الفراغ في خرائط القوة. غير أن الخرائط، مثل الأساطير، لا تروى بصوت واحد.
تخيّلوا المشهد: قيصر يفاوض أميرة من ثلج، وملكة كوبنهاغن تذكّره بأن التاج ليس للبيع، وأن الخطوط الحمراء ليست أشرطة زينة. مجموعة عمل ثلاثية تجلس حول طاولة مستديرة – الدنمارك، الجزيرة، والولايات المتحدة – تحاول أن تجد في الضباب ممرا آمنا. لكن الضباب، كما نعلم، يحبّ من يتقن المشي فيه بلا يقين.
في مسرح السياسة، يُحسب لترامب أنه يحرك الستائر الثقيلة. يثير الغبار كي يرى أين تهبط الأشعة. قد يغضب، قد يفزع، لكنه يفرض إيقاعا لا يمكن تجاهله. خصومه يصفونه بالبرق الذي يضرب بلا إنذار؛ أنصاره يرونه قبطانا يختبر صلابة الجليد بعصا الجرأة. والحقيقة – كعادتها- تتوارى بين التصفيق والصفير. وهكذا تستمر المسرحية: الشفق القطبي يكتب تعليقاته الخضراء على السماء، والبحر يتنفس ببطء كحيوان أسطوري. أما الجزيرة، فتبقى هناك، أعلى من الرغبات، أقدم من العناوين، وأبرد من أن تختزل في صفقة. لأن الأوطان – حتى حين تحاط بالثلج – ليست مكعبات في كأس طموح. إنها حكايات شعوب تمشي على جليدها بثقة، وتعرف أن العروش التي تبنى على الريح، تذوب مع أول دفء للحقيقة.
