مصر أم الدنيا توقع على وثيقة المجد المغربي

بقلم زكية لعروسي ، باري

يوم لن تنساه كتب التاريخ، ولا السجلات الدبلوماسية، ولا قلوب المغاربة الذين يربطهم بمصر حبل الود الذي لا ينقطع منذ أن مشى الفينيقيون والتجار الرومان على دروب الصحراء الكبرى. في قاعة الاجتماعات بالقاهرة، حيث الفراعنة يحدقون من جدران الزمن، جلس عزيز أخنوش ومصطفى مدبولي ليعلنا ما كان ينتظره الصحراء والمحيط: مصر تعترف بمغربية الصحراء. إنه “محضر” موقع وموثق، يشهد أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو “الحل الأكثر قابلية للتطبيق”. جملة كأنها خرجت من قلب الهرم الأكبر: ثقيلة بالحكمة، خفيفة بالحق، أبدية كالفرعون الذي قال: “لا أعرف إلها غير النيل”، ونحن نقول: “لا نعرف صحراء غير المغرب”.

يقول المثل المصري الأصيل: “اللي يشوف العبرة يتعبر”. ومصر رأت عبرة التاريخ: كيف أن المغرب ظل صامدا كالأهرام أمام رياح الاستعمار والانقسامات، وكيف أن العرش العلوي ظل شامخا كقبة الهواء فوق الصحراء الكبرى. مصر التي علمت الدنيا معنى “أم الدنيا”، تعلّم اليوم جيرانها أن الاعتراف بالحق فضيلة، وأن التلويح بالخرائط الوهمية لا يصنع دولا. المثل المغربي يقول: “الدار دارك ولو كانت قشّة”. والصحراء ليست قشّة، بل  هي درة التاج المغربي، والباب الخلفي لإفريقيا، والسور الذي حماه الأجداد من مراكش إلى تنبكتو. مصر لم تأت بجديد، بل أعادت كتابة القديم: أن الحدود التي رسمتها القبيلة والتاريخ والدم والتجارة لا يمكن لريح السياسة أن تمحوها.

يقول الفيلسوف ابن رشد (الذي جمع بين قرطبة والقاهرة): “العلماء ورثة الأنبياء”. ومصر والمغرب ورثة حضارة تمتد من فيلة إلى طانطان. اعتراف مصر اليوم ليس دبلوماسية باردة، بل هو فلسفة في السياسة: أن الحقيقة كالماء، تجد طريقها دائما. النيل يجرى من الجنوب إلى الشمال، والمحيط الأطلسي يموج من الغرب إلى الشرق، ولكن كليهما يصبان في بحر واحد: بحر العروبة والإفريقية المغاربية على ضفاف النيل وتحت ظلال الأطلس

وحين تقول مصر إن الحكم الذاتي “الحل الأكثر قابلية للتطبيق”، فإنها تردد قول الفارابي: “الفضيلة هي الوسط بين الإفراط والتفريط”. المغرب لم يطلب المستحيل، ولم يقبل بالمستحيل. قدم مبادرة الحكم الذاتي كوسط ذهبي بين الاستقلال الكامل والتبعية المطلقة، فكانت كما قال المثل المصري: “العقل زينة والرأي السديد وصاية”.

هنا لا بد من التوقف عند “الجيران” الذين طالما رموا بالحجارة في بئر الوحدة المغاربية. أولئك الذين ظنوا أن الزمن يعمل لصالحهم، وأن الرياح ستغير اتجاه الرمال. ولكن كما يقول المثل المغربي: “الكلب ينبح والقافلة تسير”. وقفت الجارة عقودا توزع الأموال والأسلحة والأحلام الوهمية لمجموعات انفصالية، فكانت النتيجة: صحراء مغربية أكثر تمسكا بسيادتها، ومجتمع دولي أكثر اقتناعا بعدالة القضية المغربية. وكما يقول المثل المصري العظيم: “اللي يزرع الشوك ما يحصدش عنب”.

لطالما كانت الصحراء المغربية أرضا للطريقة التيجانية، والقادرية، والشاذلية. دروب الصوفية التي تمتد من فاس إلى شنقيط، مرورا بالسمارة والعيون. مصر التي أحتضنت الإمام الشاذلي وأحمد البدوي، تعرف جيدا أن هذه الطرق الصوفية لا تعترف بحدود صنعها المستعمرون. المتصوفة يقولون: “الطريق إلى الله واحد، لكن منازله كثيرة”. والقضية المغربية هي منزل من منازل الحق: أن الأرض تعود لمن عشقها وصانها وزرع فيها قلبه قبل أن يزرع فيها النخيل. حين تجتمع المريدية المصرية بالطريقة المغربية في ذكر واحد، فإنهم يذكرون الله على أرض واحدة: من الإسكندرية إلى الداخلة.

ففخرا يا مصر، عزا يا مغرب…هذا هو “النهار الكبير” الذي كنا ننتظره. يوم تجلس فيه الدولة المصرية، بتاريخها الفرعوني والعربي والإسلامي، لتقول للعالم: “الصحراء مغربية، والحل هو الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية”. ليس انتصارا لدبلوماسية على أخرى، بل هو انتصار للحكمة على العبث، وللواقعية على الأوهام، وللأخوة على الحسابات الضيقة. مصر التي قالت للعالم يوما “أنا أم الدنيا”، تقول اليوم لأشقائها المغاربة: “نحن في خندق واحد، وقضيتكم قضيتنا”. والمغرب، أرض الأطلس والصحراء والريف، يردد بلسان حاله: “حيا الله مصر وأهلها، فالدار داركم والنخوة نخوتكم”. وبين البلدين، يبقى النيل والمحيط شاهدين على وعد قطعه التاريخ، ومحضر يوقّعه الحاضر، وطريق صوفي لا ينقطع ذكره: أن الوحدة المغاربية قادمة، وأن الحق يعود إلى أهله ولو بعد حين.

يقول الفيلسوف ابن خلدون: “العمران البشري له سنن لا تتغير”. ومن سنن العمران أن الدول الكبرى تعترف بالحقائق الكبرى. مصر اعترفت اليوم، وغدا غيرها، وبعد غد يعترف الجميع بما يعرفه المغاربة منذ قرون: الصحراء مغربية إلى قيام الساعة. والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. والحمد لله أولا وآخرا، على نعمة العقل، ونعمة التاريخ، ونعمة الأخوة المصرية التي أضاءت الطريق لمن كان و من هو في واد يهيم .

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *