من يخلف جاك لانغ في معهد العالم العربي؟

بقلم د. زكية لعروسي

ورد عن وكالة الأنباء الفرنسية (AFP)أن سباق خلاف جاك لونغ على رأس معهد العالم العربي (Institut du monde arabe) دخل منعطفه الحاسم، فلحظة دقيقة تتقاطع فيها الثقافة بالدبلوماسية، وتتعانق فيها حسابات السياسة برهانات الإشعاع الحضاري. فبعد أكثر من عقد أمضاه جاك لانغ في قيادة هذه المؤسسة التي شيّدت لتكون جسرا بين ضفتي المتوسط، أفضت استقالته المفاجئة إلى فتح باب التنافس على منصب يختزن رمزية ثقافية وسياسية بالغة الحساسية. وفي هذا السياق، إستقبل وزير أوروبا والشؤون الخارجية Jean-Noël Barrot ثلاثة مرشحين تم انتقاؤهم من بين عدد وافر من الطلبات، تمهيدا لعرض إسم الرئيس الجديد على مجلس الإدارة.

– الإسم الأول المتداول في الكواليس هو آن-كلير لوجندر، الدبلوماسية المتمرسة والمستشارة المكلفة بشؤون شمال إفريقيا والشرق الأوسط في خلية الإليزيه. مسارها المهني، الممتد بين العمل كناطقة باسم وزارة الخارجية وسفيرة فرنسا في الكويت، يمنحها دراية دقيقة بتوازنات المنطقة، ويجعلها مرشحة تمزج بين الحنكة الدبلوماسية وفهم رهانات العالم العربي.

– أما المرشح الثاني، كريم أملال، السفير السابق المكلف بالمتوسط، فيحمل بدوره رؤية تقوم على تغليب الحوار وترميم جسور الثقة، لا سيما في ظل التوترات التي شابت العلاقات الفرنسية-الجزائرية في الآونة الأخيرة. خبرته في قضايا شمال إفريقيا تضفي على ترشيحه بعدا استراتيجيا، في مرحلة تحتاج فيها المؤسسة إلى شخصية قادرة على المناورة بحساسية بين اعتبارات الثقافة وتقلبات السياسة.

– ويبرز كذلك إسم أوليفييه بوافر دارفور، السفير المكلف بشؤون الأقطاب والبحار، وصاحب المسار المتشعب بين الدبلوماسية والأدب والإدارة الثقافية. فقد سبق له أن تولى مهام دبلوماسية في تونس، وأدار إذاعة ثقافية عريقة، وراكم تجربة إبداعية في النشر والمسرح، ما يمنحه صورة المثقف الدبلوماسي القادر على مخاطبة النخب والرأي العام في آن واحد.

غير أن اختيار الرئيس الجديد لا يخضع حصرا لاعتبارات باريس؛ فمجلس إدارة المعهد يضم ممثلي اثنين وعشرين بلدا عربيا، وأي تحفظ جوهري قد يعرقل التوافق المنشود. وتأتي هذه المعادلة الدقيقة في سياق إقليمي متوتر، خاصة بعد المواقف الفرنسية الأخيرة من ملف الصحراء الغربية، ما يجعل من شخصية الرئيس المقبل عاملاً حاسماً في الحفاظ على توازن المؤسسة واستمرار رسالتها. ومن المرتقب أن يقترح الإسم النهائي خلال اجتماع مجلس الإدارة، بدفع من رئاسة الجمهورية، في خطوة ستحدد ملامح المرحلة المقبلة لهذه المنارة الثقافية التي طالما أرادت أن تكون فضاء للحوار، لا ساحة لتجاذبات السياسة. وهكذا، تبدو معركة الخلافة أكثر من مجرد تعيين إداري؛ إنها اختبار لقدرة فرنسا وشركائها العرب على تجديد الثقة في مؤسسة ولدت من رحم الطموح الثقافي المشترك، وتجد نفسها اليوم أمام مفترق طرق يتطلب قيادة تجمع بين الرؤية والاتزان والقدرة على الإصغاء إلى ضفتي المتوسط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *