بقلم الصحافي والإعلامي حيمري البشير, كوبنهاكن- الدنمارك
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، يعود الحديث عن أشكال جديدة من الاستعمار، لا تقوم على الاحتلال المباشر بقدر ما ترتكز على الهيمنة الاقتصادية والتحكم في الموارد الاستراتيجية، وفي مقدمتها النفط والغاز. ويبدو أن التنافس على هذه الموارد أصبح أحد أبرز محركات الصراعات الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين، خاصة في مناطق غنية بالطاقة مثل الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية.
ترى بعض التحليلات أن سياسات دونالد ترامب خلال فترة رئاسته عكست توجها واضحا نحو تعزيز النفوذ الأمريكي في مناطق الطاقة الحيوية. غير أن توصيف هذه السياسات على أنها “حروب مباشرة للسيطرة على النفط” يظل محل جدل واسع، إذ تتداخل فيها اعتبارات الأمن القومي، والتوازنات الدولية، والتحالفات الإقليمية. في الحالة الفنزويلية، على سبيل المثال، لم يصل الأمر إلى “غزو عسكري” أو اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، بل تمثلت السياسة الأمريكية في ضغوط اقتصادية وعقوبات سياسية، ضمن صراع داخلي وإقليمي معقد. أما في الشرق الأوسط، فإن التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، إضافة إلى دور إسرائيل، تعكس شبكة معقدة من المصالح الأمنية والاقتصادية، وليس فقط السعي المباشر للسيطرة على موارد الطاقة.
مع ذلك، لا يمكن إنكار أن منطقة الخليج العربي، بما تضمه من احتياطات ضخمة في النفط والغاز الطبيعي، تظل محوراً رئيسيا في الاستراتيجيات الدولية. أي اضطراب في هذه المنطقة، سواء عبر استهداف المنشآت النفطية أو تعطيل الملاحة في الممرات الحيوية، مثل مضيق هرمز، ينعكس فوراً على الاقتصاد العالمي، من خلال ارتفاع الأسعار وتهديد سلاسل الإمداد. من جهة أخرى، يبرز دور قوى دولية كبرى مثل الصين وروسيا، اللتين تتابعان هذه التطورات بحذر. فإيران تمثل بالنسبة لهما شريكا استراتيجيا في مواجهة الهيمنة الغربية، لكن دعمهما لها يظل محكوما بحسابات دقيقة لتجنب الانزلاق إلى مواجهة عالمية مفتوحة.
أما على الصعيد الاقتصادي، فإن استمرار التوترات العسكرية في مناطق الطاقة يهدد بإحداث صدمات متتالية في الأسواق العالمية، ويؤثر بشكل خاص على الدول المستوردة للطاقة، بينما قد تستفيد بعض الدول المصدّرة مؤقتا من ارتفاع الأسعار. غير أن الكلفة الأوسع تتمثل في عدم الاستقرار، وتراجع الاستثمارات، وتزايد الضغوط على الاقتصاد العالمي ككل.وفي خضم هذه الصراعات، يبقى الشعب الفلسطيني أحد أبرز المتضررين، خاصة في ظل استمرار الحرب في غزة، وما خلفته من خسائر بشرية ومعاناة إنسانية عميقة. كما تعكس حالة الانقسام في العالم العربي محدودية القدرة على التأثير في مجريات الأحداث، رغم أن المنطقة تمثل قلب هذه التحولات.
على الوجيز، يبدو أن العالم يتجه نحو مرحلة جديدة من التنافس الدولي، حيث لم تعد السيطرة تقاس بالأراضي فقط، بل بالقدرة على التحكم في الموارد الحيوية وشبكات الإمداد. غير أن اختزال الصراعات في بعد واحد، كـ”النفط فقط”، قد يغفل تعقيد المشهد، الذي تحكمه توازنات دقيقة بين السياسة والاقتصاد والأمن. ويبقى السؤال مفتوحا: هل يقود هذا التصعيد إلى إعادة تشكيل النظام العالمي، أم إلى مزيد من الفوضى التي يدفع ثمنها الجميع؟
📲 Partager sur WhatsApp
مناطق مصادر الطاقة والممرات البحرية الاستراتيجية، بؤر الصراع الجيوسياسي بين الحمار الذي يعتبر نفسه دركي العالم، عينه لا تنام على تحرك أقدام الدب ةالتنين صوب تلك المناطق والممرات لكي لا يحصل الاختناق. غير أن اللغة التي تسبق كل لغة للحوار التوافق، هي لغة القوة وتقنية الدمار الشامل. ما يستدعي تحرك أصدقاء الأرض من أجل قول
” لا” ، عوض اتخاذ موقف الفرجة، يتعين العمل بحكمة الطائر الطنان في مقاومته لاحتراق الغابة…