بقلم الصحفي رضوان البلدي. المغرب
وصلت حكومة عزيز أخنوش إلى آخر العمر، وصارت ترى نفسها في نهاية الولاية عجوزا، بعدما أفرغتها تحديات كثيرة، منها ما هو داخلي وأخرى خارجية، من كل ذلك الحماس والاندفاع، الذي رافق البدايات الحالمة. سؤال النهاية، وإن كان غالبا ما يكون مؤلما، إلا أن من إيجابياته أنه يحمل معه دائما عناصر سؤال البداية الموالية، فإذا كانت الحكومة الحالية، بما لها وعليها، لم يعد يفصل عن نهايتها المرتقبة في الـ23 من شتنبر المقبل إلا شهورا معدودات، فإن واقع الحال يفرض التفكير مليا في الحكومة المقبلة، وذلك في سياق مليء بالتحديات ومشهد يكتنفه الكثير من الغموض، مما يجعل كل التساؤلات المطروحة حاليا معلقة تنتظر أجوبة شافية في محطة الانتخابات المقبلة.
الرهان، كل الرهان، أن تكون الاستحقاقات القادمة فاصلة، أي أن تأتي بنخب جديدة، تملك ما يكفي من بعد النظر، وأن تفرز حكومة قوية، لديها القدرة على ضبط عقارب سير المغرب على سرعة واحدة، بدل سرعتين أو أكثر، وأن تتوفر على الكفاءة المطلوبة لتنزيل الحكم الذاتي، وأخيرا أن تكون على درجة عالية من الذكاء والواقعية السياسية للتعايش مع سياق دولي يعرف تحولات جيو سياسية وجيو استراتيجية عميقة. ولا يمكن لكل هذه الغايات أن تتحقق إلا عبر انتخابات ناجحة، يشارك فيها جميع المتدخلين، وهم على وعي كبير بحساسية المرحلة وصعوبة السياق، وأن يكون هناك إجماع على مواجهة التحديات كل من موقعه، وبالتالي فالسياق الذي أنتج حكومة أخنوش يوشك على النهاية وبدت تلوح في الأفق ملامح سياق آخر مختلف، يحتاج إلى الاستفادة من دروس المرحلة السابقة، والتدشين لمرحلة جديدة، قوامها تهيئة المناخ الملائم لضمان مرور الاستحقاقات الانتخابية القادمة، في ظروف ملائمة تسمح بميلاد برلمان قوي وحكومة قوية يكونان في مستوى التحديات التي تطرحها المرحلة.
ليس هناك أدنى شك أن مسؤولية المتدخلين في الانتخابات جسيمة ومشتركة، وأي جهة قصرت في عملها تكون قد قررت، بشكل أو آخر في مستقبل بلد بأكمله. فوزارة الداخلية، باعتبارها الجهة المشرفة، يجب أن تحصن الانتخابات من كل ما يمكن أن يمس مصداقيتها وأن توفر لها الترسانة القانونية الكافية لحمايتها من أشكال الاستغلال السياسوي، والمواطن كذلك، يتوجب عليه أن يكون في مستوى اللحظة وأن يعبر عن مواطنته، بالتصويت على الجهة أو الشخص المناسب للمرحلة وليس أشياء أخرى. أما الأحزاب السياسية، باعتبار أنها لاعب أساسي ومحوري في العملية برمتها، فهي تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية، بسبب اختياراتها الخاطئة طمعا في المقاعد، غير أن الأمر ليس كذلك في الاستحقاقات القادمة، فحكومة قوية تتطلب القطع مع الفاسدين و المتابعين قضائيا والذين لا يجيدون القراءة والكتابة، وأصحاب “الشكارة”، وغيرهم من الأشخاص “غير المرغوب فيهم”، في هذه المرحلة من الولوج إلى المؤسسات المنتخبة وتدبير الشأن العام.
وأتمنى أن تكون دعوات زعماء أحزاب سياسية، هذا الأسبوع، صادقة وبداية لوعي جديد داخل الأحزاب، فالاتحاد الاشتراكي في بلاغ له طالب بضرورة ضمان شفافية ونزاهة الانتخابات، في حين دعا زعيم حزب الاستقلال، نزار بركة، في لقاء حزبي، مناضلي حزبه إلى الالتزام بالمصداقية والنزاهة في تزكية واختيار المرشحين في اللوائح، بالنظر إلى الرهانات السياسية المقبلة وضرورة تقديم نخب مركزية ومحلية قادرة على تدبير الشأن العام بكفاءة. إذن، ما المطلوب من الأحزاب في هذه المرحلة؟
ينبغي أن تختار الكفاءات والطاقات القادرة على خدمة البلاد، لأن نجاح أي تجربة سياسية مرتبط بجودة الأشخاص الذين يمثلونها، كما أنه يتوجب عليها إعطاء فرص أكبر للشباب والنساء المؤهلين، لأنهم يمثلون طاقات جديدة وأفكارا مبتكرة يمكن أن تسهم في تطوير العمل السياسي. ثم على مستوى آخر، لا بد أن يتمتع المرشحون بسمعة طيبة ونزاهة، وأن يكونوا مرشحين على دراية بتحديات البلاد، وقريبين من مشاكل الناس اليومية. خلاصة القول، فبدون وجود إرادة سياسية صادقة لتخليق العملية السياسية برمتها، وبدون ترسانة قانونية متقدمة تحصن الإرادة الشعبية، وبدون وعي مواطناتي، سيخطئ الجميع الموعد، في ظل نظام دولي جديد، البقاء فيه للأقوى.
