من أجل رفع اللبس عن الذكاء الاصطناعي

بقلم د. محمد طواع

من أجل رفع اللبس على هذا الذي نسميه الذكاء الاصطناعي ومنحدره، افترض أن هناك ضرورة معرفية للوقوف على هذه التسميات، من أجل تبين الفروقات ونوعية العلاقة بينها. ونتساءل: ما الذكاء الاصطناعي؟ هل هو مجرد تكنولوجيا؟ وما علاقة كل من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بالفكر التقني؟ فنقول:  التكنولوجيا هي ابتكار يعتمد تطبيق للمعرفة العلمية الدقيقة، كالرياضيات والفيزياء والإعلاميات، بغرض ابتكار حلول عملية، إما في المجال الصناعي والاقتصادي وقطاع الخدمات الاتصال والطب و التجارة والدفاع…، أو لحاجات يحتاجها البحث العلمي نفسه، كتلك التي مكنت الإنسان من الخروج من جاذبية الأرض، لاكتشاف مجاهيل الكون. وبالجملة نقول التكنولوجيا ابتكار لجميع الآلات والنظم البرمجية، المعتمدة في تلك المجالات الآنفة الذكر، لحل مشكلات و لإشباع حاجات الزيادة في تطوير قدرات العمل البشري، وتجويده وتسريع السرعة في الأداء، للرفع من المردودية في الإنتاج. 

  أما الذكاء الاصطناعي فهو فرع من التكنولوجيا، من نوع خاص. إذ يهدف أساسا إلى ابتكار وتطوير أنظمة قادرة على محاكاة بعض وظائف الذكاء البشري. من هنا جاءت التسمية: نعرف أن علم النفس المعرفي ونظريات التعلم، والبحوث العلمية في مجال البرمجة العصبة-اللغوية، قد أثبتت أن الإنسان يمتلك استعدادات ذهنية، تؤهله لتنمية ذكاءات متعددة كالذكاء المنطقي-الرياضي والذكاء التفاعلي والذكاء البصري-الفضائي والذكاء اللغوي والذكاء الحسي الحركي والذكاء الموسيقي والذكاء البين-ذاتي الاجتماعي… البعض من هذه الذكاءات البشرية، هي ما يشتغل عليها علماء الذكاء الاصطناعي، من أجل ابتكار الآلة التي تشتغل بمحاكاتها، مثل النطق وتوظيف اللغة الطبيعية أو اتخاذ قرار والتعلم وإنجاز مهمة كان الانسان هو من يقوم بها… وذلك باعتماد نماذج رياضية وخوارزميات، للتعامل مع بيانات، بطرق غير مبرمجة مسبقا بالكامل.

  وبالجملة نقول: الذكاء الاصطناعي تكنولوجيا، لكن ليست كل تكنولوجيا ذكاء اصطناعيا. الفرق الأساسي هو أن التكنولوجيا في الأصل هي ابتكار من أجل  تنفيذ مهام وفق قواعد محددة، بينما الذكاء الاصطناعي يتمتع بقدرة على التعلم من البيانات والتكيف معها، مما يجعله أقرب إلى “نظام دينامي”، قادر على تحسين أدائه بمرور الوقت، دون إعادة برمجته آليا أو بتدخل يد الإنسان الذي ابتكره. ويتم الحديث اليوم عن الذكاء الاصطناعي، باعتباره إمكانية فاتحة لآفاق جديدة للتنمية وتطوير الحكامة بكيفية عابرة للقارات.  غير أنه بالنظر للتطور المتسارع لهذا الفرع من التكنولوجيا، تطرح معه إشكالات فلسفية اليوم، وتتعلق بمفاهيم السيادة والقيم والأخلاق والقانون. كما يشكل عين التطور، ذاك التحدي الذي، على الدول التي تعرف منظوماتها التربوية- التعليمية معيقات جمة، أن توليه العناية اللازمة وبشكل جدي، من أجل مواكبة باقي الأمم في عملية النهوض بالبحث العلمي و استدماج هذه التكنولوجيا، في منظوماتها التربوية-التعليمية، لتجويد الحكامة التربوية وطرق التعلم وتنمية القدرة على الابتكار وتسريع السرعة في الأداء.

  في هذا الإطار طالب المغرب، وهو يحاور دول إفريقيا، بالعمل على “بناء ذكاء اصطناعي إفريقي لإفريقيا، ذكاء مستقل ومسؤول.”، ذكاء يركز على الاحتياجات الضرورية لهذه القارة. نفهم من ذلك، أنه من أجل سيادة بلدان هذه القارة، ينبغي لإفريقيا أن تبتكر ذكاء-ها الاصطناعي، وتحترس من ترهن نفسها في استيراد هذه التكنولوجيا، ومن ثمة تكون تبعيتها للدول المنتجة لذلك الذكاء. غير أنه سيظل الارتباط بالأنترنيت هو التحدي الأكبر لقارتنا، خاصة لما يتعلق الأمر بالأمن السيبراني، والبيانات الرقمية والخصوصية. الذكاء الاصطناعي هو أكثر من كونه تكنولوجيا، إنه قوة عابرة للقارات في ما يتعلق بتشكيل العلاقات الدولية والتحكم في موازين القوى، بل هو يمثل تلك القاطرة التي تحدث ثورات في هذا المجال “البين-دولي” الآن ومستقبلا.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “من أجل رفع اللبس عن الذكاء الاصطناعي

  1. شكرا للقيمين على الورقاء على نشر هذه المقدمة حول الذكاء الاصطناعي، وهي من أجل فتح نقاش واستءناف التفكير في هذه المسألة التي تعتبر من قبيل ما فوضه الإنسان من ذكاءاته للآلة من أجل العمل بها عوضا عنه…..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *