من الجاحظ إلى سان دوني… عنصرية لم تعد تخجل

بقلم زكية لعروسي, باريس

في مجلس من مجالس البصرة، قبل قرون، كان الجاحظ يتأمل اختلاف الألوان كما يتأمل الفيلسوف حركة النجوم: لا ليدينها، بل ليفهم انتظامها. لم يكن السواد عنده تهمة، بل معطى من معطيات الوجود. كتب عن “السودان” لا ليضعهم في أسفل سلّم متخيّل، بل ليقوّض ذلك السلّم نفسه، ليذكّر بأن اللون لا يحمل معنى خارج ما يسقطه عليه العقل البشري. ثم تمضي القرون.وفي استوديو تلفزيوني حديث، في قلب فرنسا، يستجوب رجل منتخب مدينة سان دوني. لا عن برنامجه، ولا عن رؤيته، بل عن عبارة لم يقلها. يسأل كما لو أنّ الكلمات تنتزع منه لا تسمع، وكأن صوته لا يكفي لإثبات ما قال. هنا، لا نكون بعيدين عن مجلس الجاحظ، بل في امتداده المشوَّه: الفكرة نفسها، لكن بلا فطنة. ما الذي تغيّر إذن؟ اللغة فقط. أما البنية، فبقيت على حالها: الإنسان يسبق المعنى، والانطباع يسبق الحقيقة، واللون يسبق الكلمة.

الجاحظ كان قد لمح هذه الآلية مبكرا، حين فهم أن الإنسان لا يرى الآخر كما هو، بل كما يحتاج أن يراه. فالسواد، في ذاته، لا يقول شيئا، لكن المخيال الجمعي يحمّله ما يشاء: مرة قوة، ومرة تهديدا، ومرة نقصا. إنه شاشة، لا صورة. والكارثة تبدأ حين ننسى أنه شاشة. في واقعة سان دوني، لم يكن السؤال بريئا، حتى لو تزيّن بالاعتذار لاحقا. لأن السؤال، في جوهره، لم يكن بحثا عن حقيقة، بل تأكيدا لصورة جاهزة. الصحافة، التي يفترض أن تنقّب عن الدقة، وقعت في فخ “المعقول المسبق”: بما أن الرجل أسود، ومن خلفية معينة، ومن مدينة محمّلة برموز اجتماعية، فمن “المعقول” أن يكون قد قال ما نسب إليه. وهنا، يلتقي الحاضر بالماضي في نقطة حرجة: حين يصبح “المعقول” أخطر من الكذب. فالكذب يمكن تفنيده، أما “المعقول” فيتسلل كحقيقة ناعمة، لا تراجع لأنها تبدو بديهية. وهذا ما كان الجاحظ يحاربه بطريقته: كان يربك البديهيات، يفكك ما يظنه الناس طبيعيا، ليكشف أنه مجرد عادة ذهنية.

لكن ما نراه اليوم هو العكس تماما: انتصار العادة على الفكر. لقد خرجت العنصرية من حيّزها الكلاسيكي، حيث كانت صريحة ومباشرة، إلى حيّز أكثر تعقيدا: حيّز التأويل. لم يعد أحد يقول: “أنا أرفضك لأنك أسود”، بل يقول: “أنا فقط فهمت كلامك هكذا”. وكأن الفهم ذاته صار أداة إقصاء. فمن يملك المعنى؟ هل هو من ينطق بالكلمة، أم من يفسرها؟ إذا كان المتكلم مضطرا كل مرة أن يصحح ما لم يقله، فنحن لا نعيش أزمة تواصل، بل أزمة اعتراف. أزمة في قبول أن للآخر سلطة على لغته، على ذاته، على تعريف نفسه. وهنا، يبدو الجاحظ أكثر حداثة من كثيرين يعيشون بيننا. لأنه أدرك أن المعركة ليست في اللون، بل في النظرة إلى اللون. ليست في الاختلاف، بل في تأويل الاختلاف.

أما الإنسان، ذلك الكائن القلق، فلا يزال يحمل داخله بذرة التصنيف الأولى. يميل إلى التبسيط، إلى وضع العالم في خانات، إلى حماية نفسه من تعقيد الآخر. وهذه البذرة، إن لم تُروّض بالفكر، تنمو لتصبح نظامًا كاملا من الأحكام المسبقة. في سان دوني، لم يكن الرجل المنتخب يدافع فقط عن جملة، بل عن حقه في أن يكون متكلما لا موضوعا للكلام. عن حقه في أن يسمع كما هو، لا كما يراد له أن يكون. وهنا، يتجاوز الأمر شخصه ليصير سؤالا حضاريا:هل نحن مستعدون أن نسمع، أم أننا نبحث فقط عمّا يؤكد ما نعرفه مسبقا؟ الجاحظ، لو كان بيننا، لربما ابتسم ساخرا، ثم كتب نصا جديدا، لا عن “السودان”، بل عن “السامعين”. عن أولئك الذين لا يسمعون، بل يعيدون إنتاج أصواتهم في أفواه الآخرين. وربما كان سيختم بسؤال بسيط، لكنه مربك: هل المشكلة في من يتكلم… أم في من لا يستطيع أن يسمع إلا نفسه؟

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *