:من كراكاس إلى تندوف…التوازن الاورو متوسطي

Marco Baratto politologue

ماركو باراتو – محلل سياسي


نادرًا ما يؤدي انهيار مفاجئ لإحدى الركائز الدبلوماسية إلى تداعيات تبقى محصورة داخل محيطها الجغرافي المباشر. فسقوط نظام نيكولاس مادورو، إن تأكد، لن يكون حدثًا لاتينيًا صرفًا، بل سيحمل ارتدادات تتجاوز القارة الأمريكية لتطال شمال إفريقيا، عبر شبكة معقدة من الروابط السياسية والأيديولوجية التي لطالما جرى التقليل من شأنها. وفي صلب هذه الشبكة يبرز محور الجزائر وجبهة البوليساريو.

على مدى أكثر من عقدين، شكلت فنزويلا البوليفارية أحد أكثر الداعمين ثباتًا للجزائر والبوليساريو، سياسيًا وماليًا ورمزيًا. وفي وقت كانت فيه عواصم أمريكا اللاتينية تعيد النظر تباعًا في إرث الخطاب العالم-ثالثي الموروث من حقبة الحرب الباردة، تحولت كراكاس إلى ما يشبه القلعة الدبلوماسية للقضية الصحراوية. ومع تراجع دعم دول مثل بوليفيا والإكوادور والأرجنتين والبيرو، بقيت فنزويلا في كثير من الأحيان الصوت المتشدد الأخير داخل الفضاء اللاتيني.

غير أن فقدان هذا السند لا يمكن اختزاله في بعد رمزي فقط. فهو يندرج ضمن مسار أوسع يتمثل في العزلة المتزايدة لجبهة البوليساريو على الساحة الدولية، وما يرافق ذلك من تآكل تدريجي للمكانة الاستراتيجية للجزائر. إذ دخلت منطقة شمال إفريقيا مرحلة إعادة تشكل متسارعة، تتراجع فيها التحالفات الأيديولوجية الجامدة لصالح شراكات براغماتية تحكمها المصالح الاقتصادية والأمنية. وفي هذا السياق، لم تعد الصلابة العقائدية رأسمالًا سياسيًا، بل باتت عبئًا يحد من هامش المناورة.

حتى موسكو، التي طالما اعتبرت شريكًا استراتيجيًا طبيعيًا للجزائر، تبدو اليوم أكثر ميلًا إلى النأي بنفسها. فالدبلوماسية الروسية، المعروفة ببراغماتيتها وبعد نظرها، تستثمر حيث تكون العوائد واضحة وقابلة للتحقق. والجزائر، المثقلة بتحديات اقتصادية وبنيوية واجتماعية متفاقمة، لم تعد تقدم الضمانات نفسها التي وفرتها في مراحل سابقة. ومن دون إعلان قطيعة صريح، تعمل روسيا على تقليص حضورها السياسي والرمزي في ملف الصحراء.

في خضم هذه التحولات، تبرز إيطاليا بوصفها حالة أوروبية خاصة. فروما، بغض النظر عن تعاقب الحكومات واختلاف توجهاتها السياسية، جعلت من الجزائر شريكًا محوريًا، خصوصًا في مجال الطاقة. الغاز، والبنية التحتية، والتعاون الأمني تحولت إلى ركائز علاقة باتت بنيوية. وبالنسبة لإيطاليا، لم تعد الجزائر مجرد شريك إقليمي، بل أصبحت عنصرًا مركزيًا في منظومة أمنها القومي.

غير أن هذا الرهان لا يخلو من مخاطر عميقة. فأي أزمة بنيوية كبرى داخل النظام الجزائري لن تكون مجرد اضطراب إقليمي، بل ستشكل صدمة استراتيجية لإيطاليا. اقتصاديًا، لأن أي حالة عدم استقرار ستفتح المجال أمام منافسة مباشرة من قوى كبرى، في مقدمتها الولايات المتحدة وروسيا، المستعدتين لملء أي فراغ. واجتماعيًا، لأن انهيار دولة يتجاوز عدد سكانها أربعين مليون نسمة قد يطلق موجة هجرة غير مسبوقة نحو جنوب أوروبا، مع إيطاليا في الصف الأول.

وعليه، لا يكمن السؤال الحقيقي في ما إذا كانت روما اليوم الحليف الأوروبي الأكثر موثوقية للجزائر، فذلك أمر يكاد يكون محسومًا، بل في مدى استدامة هذا الخيار. ومتى ستشرع إيطاليا في التفكير الجدي في اليوم التالي، أي في بلورة استراتيجية تقوم على تباعد تدريجي ومحسوب، من دون قطيعة فجائية، مع العمل في الوقت ذاته على تنويع شراكاتها في الفضاء المتوسطي وشمال إفريقيا.

إن التجارب القريبة تظهر أن التحالفات المبنية حصرًا على استقرار ظاهري هي الأكثر هشاشة أمام الصدمات البنيوية. وسقوط نظام في كراكاس، إن حدث، لن يكون السبب المباشر في عزلة الجزائر والبوليساريو، لكنه سيشكل بلا شك عاملًا كاشفًا ومسرعًا لمسار بدأ منذ سنوات.

في هذا المشهد الجيوسياسي المتغير، ستكون الأفضلية لمن يستبق التحولات ويتهيأ لها، فيما قد يدفع من يظل أسير ولاءات جامدة ثمنًا باهظًا. وبالنسبة لروما، يبدو الخيار واضحًا: إما الاستمرار في الرهان على وضع هش، أو الشروع من الآن في إعداد انتقال استراتيجي محسوب، قبل أن تفرض الوقائع نفسها بثمن أعلى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *