بقلم د. زكية لعروسي
في الجغرافيا السياسية، لا تقاس التحالفات بعدد الاتفاقيات الموقعة، بل بقدرتها على الصمود حين تتصدع الأرض تحت أقدامها. لذلك فإن غياب المرشد الإيراني علي خامنئي لا يفتح فراغا في طهران وحدها، بل يخلق شقا عميقا في شبكة العلاقات التي نسجتها موسكو عبر عقدين لتقاوم عزلة الغرب. بالنسبة إلى بوتين، لم تكن إيران مجرد شريك إقليمي؛ كانت قطعة محورية في رقعة شطرنج أوسع تحاول روسيا من خلالها إعادة تعريف نفسها كقوة مضادة للنظام الدولي الذي تقوده الأمم المتحدة.
العلاقة بين موسكو وطهران لم تُبنَ على الانسجام الإيديولوجي بقدر ما تأسست على براغماتية باردة. روسيا دولة أرثوذكسية قومية في جوهرها السياسي، بينما إيران جمهورية دينية شيعية، لكن التقائهما كان في نقطة واحدة: الرغبة في كسر احتكار الغرب لمعادلات القوة. منذ الحرب السورية، حين وقفت موسكو إلى جانب نظام بشار الأسد، تشكل محور غير معلن من المصالح المشتركة، حيث قدمت إيران العمق البري والميليشيوي، بينما وفرت روسيا الغطاء الجوي والديبلوماسي. كان ذلك التحالف أشبه بآلة مزدوجة المحرك؛ كل طرف يدفع الآخر إلى الأمام في مواجهة النفوذ الأميركي. غير أن الحرب في أوكرانيا عام 2022 أعادت صياغة هذه العلاقة. فروسيا التي دخلت صراعاً مفتوحاً مع الغرب وجدت نفسها بحاجة إلى شريك قادر على تزويدها بالتكنولوجيا العسكرية غير التقليدية، وهنا برزت طهران بوصفها حليفا عمليا. الطائرات المسيّرة من طراز Shahed أصبحت رمزا لهذا التقاطع؛ سلاح رخيص نسبيا لكنه فعال في حرب الاستنزاف التي خاضتها موسكو ضد البنية التحتية الأوكرانية. لم يكن ذلك مجرد تعاون عسكري، بل إشارة إلى أن ميزان الاعتماد المتبادل بين البلدين بدأ يتغير، إذ أصبحت روسيا – للمرة الأولى منذ عقود- مستوردا للتكنولوجيا العسكرية من دولة في الشرق الأوسط.
لكن التحالفات التي تبنى في ظل الأزمات غالباً ما تكون هشة أمام التحولات المفاجئة. غياب شخصية مثل خامنئي، الذي كان يمثل استمرارية عقائدية للنظام الإيراني، يهدد بتفكيك جزء من هذا التوازن. فالنظام في طهران، رغم تعدد مؤسساته، ظل قائما على مركزية قرار المرشد، وهو من حافظ على خط استراتيجي ثابت في العلاقة مع موسكو، حتى حين تغيرت الحكومات والرؤساء. من دون هذا الثقل الشخصي، قد تجد روسيا نفسها أمام قيادة إيرانية أكثر حذرا في الانخراط في تحالفات مكلفة، أو أكثر انشغالا بالصراعات الداخلية. بالنسبة إلى بوتين، تأتي هذه اللحظة في توقيت بالغ الحساسية. فروسيا لا تزال غارقة في حرب استنزاف طويلة في أوكرانيا، وتواجه ضغوطاً اقتصادية وسياسية مستمرة من الغرب. في مثل هذا السياق، كان وجود إيران إلى جانبها يمنحها شعوراً بأن محور “الممانعة الجيوسياسية” ما زال متماسكاً. أما الآن، فإن الصورة تبدو أكثر تعقيدا. فقد خسر الكرملين خلال فترة قصيرة عدة شركاء أو نقاط ارتكاز في النظام الدولي الموازي الذي حاول بناءه، ما يثير تساؤلات حول مدى قدرته على حماية حلفائه أو حتى الحفاظ عليهم.
ومع ذلك، فإن السياسة الدولية لا تعرف الفراغ. فروسيا قد تجد في الأزمة الإيرانية فرصة بقدر ما تمثل تهديدا. ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة التوتر في الشرق الأوسط قد يمنح الاقتصاد الروسي متنفسا ماليا، خصوصا في ظل العقوبات الغربية. كما أن موسكو قد تحاول لعب دور الوسيط أو الحامي الرمزي لطهران في المحافل الدولية، مستثمرة خطاب السيادة وعدم التدخل الذي تتبناه منذ سنوات. لكن الحقيقة الأعمق تكمن في أن التحالف الروسي الإيراني لم يكن يوما تحالفا عاطفيا… إنه علاقة مصلحة متغيرة باستمرار. فطهران ترى في موسكو قوة كبرى يمكن أن توازن الضغط الأميركي، بينما ترى موسكو في إيران بوابة نفوذ إلى الشرق الأوسط ومصدرا لأدوات حرب غير تقليدية. إذا تغيرت موازين القوة داخل إيران، فقد يعاد تعريف هذه العلاقة من جديد، وربما تظهر صيغة مختلفة أقل اندفاعا نحو المواجهة مع الغرب. تكشف هذه اللحظة عن مفارقة قاسية في السياسة الدولية: القوى التي تبني تحالفاتها على رفض النظام العالمي تجد نفسها أحيانا أكثر عرضة لهزاته. وبينما يحاول الكرملين الحفاظ على صورته كقطب عالمي منافس، فإن فقدان حليف بحجم إيران يذكر موسكو بأن النفوذ لا يقاس فقط بالقوة .العسكرية، بل أيضا بقدرة الدولة على حماية شبكتها من التحالفات حين تهب العواصف الجيوسياسية
