موسك: عبقرية التقنية و فوضى الواقع المزيف

بقلم زكية لعروسي, باريس

في المشهد الذي يتكثّف فيه الغموض حتى يكاد يلمس، يظهر موسك كأنه ليس مجرد رجل أعمال، بل كائن فلسفي يسير على حافة الأسطورة، بين وادي التقنية وقمم السلطة الرمزية. ما يحدث اليوم ليس مجرد قضية قانونية عابرة، بل هو ارتجاج في بنية المعنى ذاته: من يتحكم في الحقيقة حين تصبح الخوارزمية شاهدا وصانعا لها في آن واحد؟ القصة، في ظاهرها، تحقيق قضائي حول “تضخيم القيمة” و”تلاعب محتمل”، لكنها في باطنها أقرب إلى سؤال قديم بلباس جديد: هل يمكن للواقع أن يصنع؟ أم أن ما نراه ليس إلا انعكاسا في مرآة رقمية صقلها الذكاء الاصطناعي حتى فقدت أي صلة بالأصل؟

ما يثير الدهشة ليس الاتهامات بحد ذاتها، بل التوقيت والسياق. فقبل أيام، في واقعة غريبة كأنها خرجت من رواية سريالية، اشتبك موسك لفظيا مع الوزير الإسباني في نقاش علني بدا وكأنه حوار بين زمنين: زمن الدولة القومية و زمن الإمبراطوريات الرقمية. الوزير تحدث بلغة القانون والسيادة، بينما رد موسك بلغة أقرب إلى التشفير: غامضة، متفلتة، تحمل إيحاء أكثر مما تقدم جوابا. كأن الرجل لا يحاور شخصا، بل يخاطب نظاما كاملا يحاول احتواءه. وهنا تتدخل الحكمة الشعبية، كما كانت تقول أمي خيرة:”اللّي يزرع الريح، خاصو يعرف بلي العاصفة ما كتستأذن حد” وكأن هذه العبارة البسيطة تختصر المشهد كله. فمن يطلق خوارزميات بلا حدود، قد لا يستطيع استرجاعها حين تبدأ في إعادة تشكيل العالم على هواها. بل هناك مثل مغربي آخر يتسلل بهدوء إلى قلب الحدث: “اللعبة اللي تكبر على مولاها، كتولّي تديه معاها”, وهذا ما يبدو أنه يحدث اليوم. فالمنصات .التي صممت لتكون أدوات، بدأت تتحول إلى فضاءات مستقلة، لها منطقها الخاص، وسلطتها التي لا ترى

السلطة لم تعد فقط في يد من يملك الحقيقة، بل في يد من يستطيع إنتاج نسخ متعددة منها. وهنا يكمن الخطر الحقيقي، ليس في الخطأ أو حتى في  الكذب، بل في التشويش… في خلق ضباب كثيف يجعل التمييز بين الحقيقة والزيف مهمة شبه مستحيلة. أما سياسيا، فالقضية تفتح بابا غير مريح: هل بدأت الدول تدرك متأخرة أن اللاعبين الجدد في الساحة العالمية ليسوا دولا أخرى، بل شركات وأفراد يمتلكون أدوات تشكيل الوعي الجماعي؟ وهل ما نراه هو بداية صراع طويل بين “السيادة التقليدية” و”السيادة الخوارزمية”؟

يبدو أن موسك لا يلعب فقط في السوق أو التكنولوجيا، بل في طبقات أعمق بكثير: في تعريف الواقع ذاته. وربما لهذا يبدو كل ما يحدث حوله غريبا… ليس لأنه غير مفهوم، بل لأنه يسبق قدرتنا على الفهم. وكما تقول أمي خيرة دائما، بابتسامة فيها شيء من الحكمة وشيء من التحذير: “إلا ولى الكلام بزاف، راه شي حاجة ماشي فبلاصتها” وربما… هذا هو بيت القصيد.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “موسك: عبقرية التقنية و فوضى الواقع المزيف

  1. سؤال ما الواقع ؟ سؤال طرقته الإبستمولوحيا الحديثة عقب الثورة التي حققتها العلوم الدقيقة وخاصة الرياضيات: هل الواقع حقيقة معطاة مع ” الواقع الاختباري”, أم انه حقيقة تبنى على أساس خلفية علمية وفي سياق صراع القوى؟
    في المحال العلمي الدقيق، الواقعي هو كل ما تم قياسه ، بمعنى طبطه، بعد البرهنة عليه ، بلغة للحساب الرياضي. أما في مجال وسياق العلوم الإنسانية والاحتماعية، فأمر الحقيقة يحسم في إطار” سياسة الحقيقة” التي يتحكم فيها صراع القوى في المجتمع.
    في كلا السياقين، الواقع كالحقيقة ليسا شيئا معطى ، بل هما بناء متحول في إطار سياقات الصراع المبني ، على القوة وموازين المصلحة. أما في هذا الزمن الضنين، الحقيقة والواقع شيء يبنى بالقوة والتقنية.د والدهاء بل بالكذب حتى.
    في هذا السؤاق، افترض أنه ينبغي فهم ما ذهبت إليه مؤسسة ذات نفوذ وقوة في التحكم( سلطة الأنترنيت)؛ وهي مؤسسة ماسك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *