بقلم زكية لعروسي, باريس
يبدو أن شيئا آخر يعبر الحدود بسهولة مقلقة: الجراح. فالحروب لم تعد محصورة في خرائطها الجغرافية، بل أصبحت تمتد عبر الذاكرة والهوية والعاطفة، حتى تصل إلى مدن بعيدة تبدو في ظاهرها آمنة ومستقرة. ما حدث في ميشيغان ليس مجرد حادث أمني معزول، بل مرآة معقدة لعالم تتشابك فيه المآسي الشخصية مع الصراعات الدولية. الرجل الذي حاول مهاجمة كنيس في ولاية أمريكية لم يكن، وفق المعطيات الأولية، مجرد فرد متطرف خرج من فراغ إيديولوجي. كان أيضا إنسانا يحمل فاجعة شخصية قريبة جدا زمنيا: أفراد من عائلته قتلوا في ضربة جوية في لبنان. في تلك اللحظة يتقاطع الخاص والعام، ويتحول الألم الخاص إلى عدسة يرى من خلالها العالم كله. هنا تكمن المفارقة المأساوية للسياسة المعاصرة: القرارات التي تُتخذ على مستوى الدول قد تجد صداها في نفس فردٍ يعيش على بعد آلاف الكيلومترات من مسرح الأحداث. لم تعد الحروب شأنا إقليميا؛ لقد أصبحت ظاهرة نفسية عالمية.
في زمن الهجرة والاتصال الدائم، تتشكل ما يمكن تسميته “جغرافيا عاطفية عابرة للقارات”. المواطن الذي يعيش في ديترويت أو باريس قد يشعر بأن ما يحدث في بيروت أو غزة يمسه شخصياً، ليس فقط من باب التعاطف السياسي، بل من باب القرابة والذاكرة والهوية. وحين يتعرض شخص لخسارة عائلية في سياق حرب بعيدة، فإن الإحساس بالعدالة أو الظلم لا يبقى في حدود التحليل السياسي. يتحول إلى تجربة شخصية خام، إلى غضب يتجاوز العقل أحيانا. المشكلة أن هذا الغضب، عندما ينفصل عن أدواته السياسية المشروعة، قد يبحث عن أهداف رمزية قريبة: مؤسسة دينية، جماعة، أو مجتمع ي ينظر إليه – خطأ أو تعسفا – باعتباره امتدادا لعدو بعيد. وهنا تبدأ المأساة الثانية.
الفرق بين الصراع السياسي والكراهية الجماعية فرق حاسم، لكنه كثيرا ما يتلاشى في لحظات الانفعال. نقد دولة أو رفض سياساتها شيء، وتحويل جماعة دينية أو عرقية إلى هدف للانتقام شيء آخر تماما. التاريخ الحديث مليء بهذه الانزلاقات الخطيرة. حين يختلط الغضب السياسي بالهوية، يصبح الأفراد العاديون ممثلين قسريين لصراعات لم يختاروها. اليهودي في أمريكا لا يصبح فجأة مسؤولا عن سياسات دولة، كما أن المسلم في أوروبا لا يصبح ممثلا لكل صراعات الشرق الأوسط. ومع ذلك، فإن منطق العنف لا يعترف بهذه الفروق الدقيقة.
ما يجعل هذه الحوادث مقلقة هو أنها تكشف عن هشاشة التوازن الاجتماعي في المجتمعات متعددة الهويات. الولايات المتحدة وأوروبا تضم جاليات من مختلف أنحاء العالم، وكل جالية تحمل معها ذاكرتها التاريخية ومآسيها السياسية. حين تتصاعد الحروب في الشرق الأوسط، لا تبقى آثارها هناك فقط؛ بل تتردد أصداؤها في شوارع لندن وباريس وديترويت. الجامعات، أماكن العبادة، وحتى الأحياء السكنية قد تتحول إلى ساحات رمزية لصراع عالمي. لهذا السبب تنظر السلطات الأمريكية بقلق متزايد إلى ارتفاع الاعتداءات ذات الدوافع المعادية لليهود خلال العامين الأخيرين. لكن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في عدد الحوادث، بل في المناخ النفسي الذي يسمح لها بالظهور.

في خلفية هذه الحوادث تكمن فكرة قديمة وخطيرة: الاعتقاد بأن العنف يمكن أن يكون شكلاً من أشكال العدالة. حين يشعر الفرد بأن العالم غير عادل، وأن المؤسسات الدولية عاجزة أو منحازة، قد ينزلق إلى تصور أن الانتقام الشخصي هو الطريقة الوحيدة لاستعادة الكرامة. لكن التاريخ يعلمنا أن هذا المسار لا يعيد العدالة، بل يضاعف المأساة. الضحية الجديدة لا تلغي الضحية الأولى، بل تضيف طبقة أخرى من الألم. ربما يكشف هذا الحدث عن إحدى أكبر معضلات القرن الحادي والعشرين: نحن نعيش في عالم مترابط إلى حد غير مسبوق، لكننا لم نطور بعد آليات إنسانية وسياسية كافية للتعامل مع هذا الترابط العاطفي.
نحن نشاهد الحروب مباشرة على هواتفنا، نعرف الضحايا بأسمائهم، ونشعر بأنهم قريبون منا. غير أن هذا القرب العاطفي، حين لا يجد مساراً سياسياً عقلانياً، قد يتحول إلى وقود للغضب. وهكذا يصبح السؤال الأعمق ليس فقط كيف نمنع الهجمات، بل كيف نمنع انتقال الحروب من ساحات القتال إلى النفوس. لأن أخطر ما في الحروب الحديثة ليس فقط عدد ضحاياها، بل قدرتها على تحويل الألم الفردي إلى دوامة جديدة من العنف. وعندما يحدث ذلك، لا يعود الصراع محصوراً بين دول، بل يصبح شأنا إنسانيا يمس العالم كله.
