نساء في زمن الحرب: عدالة ترميم الجروح

ترجمة زكية لعروسي عن مقال سكينة الركراكي

في حاضر تتشظى الأجساد تحت وطأة الحروب، يعلو صوت نسائيّ من قلب الألم، لا ليستجدي الشفقة، بل ليعيد طرح السؤال الأقدم والأكثر إلحاحا: هل ما زالت العدالة ممكنة في عالم فقد توازنه الأخلاقي؟ في سياق انعقاد الدورة السبعين للجنة وضع المرأة، التي رفعت شعار تعزيز وصول النساء والفتيات إلى العدالة، اختارت الحركة النسائية المغربية، ممثّلة في اتحاد العمل النسائي، أن تقف موقفا مغايرا: موقف الامتناع المشحون بالاحتجاج، لا بالصمت. امتناع ليس انسحابا، بل إدانة صريحة لواقع باتت فيه العدالة شعارا مجرّدا من مضمونه، خاصة حين يتعلق الأمر بنساء يعشن في قلب الجحيم.

منذ تأسيسه سنة 1983، لم يكن هذا الاتحاد مجرد إطار تنظيمي، بل كان فعل مقاومة مستمر، امتدادا لذاكرة نضالية حملها حراك 8 مارس، ودوّنها في صفحات جريدة تحمل الإسم ذاته. واليوم، بعد عقود من الكفاح، يجد نفسه أمام مشهد عالمي يعيد النساء إلى نقطة الصفر، بل إلى ما قبلها، حيث تختزل أجسادهن في ساحات المعارك، وتُحوَّل معاناتهن إلى أدوات حرب. ثمانون عاما مرّت على ولادة حلم الإنسانية مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لكن الواقع الراهن يبدو كأنه نقيض ذلك الحلم. فالحروب التي تشتعل اليوم، خصوصا في الشرق الأوسط، لا تدار فقط بالأسلحة، بل بمنظومات متكاملة من العنف الرمزي والمادي، حيث تستهدف النساء بشكل ممنهج، وكأنهن الحلقة الأضعف والأكثر قابلية للكسر.

غزة، تلك البقعة الصغيرة المثقلة بالتاريخ، تحوّلت إلى مرآة تعكس أبشع أشكال الانتهاك. ليست حربا بالمعنى التقليدي، بل حالة دائمة من نزع الإنسانية، حيث تسحق القوانين الدولية تحت ركام البيوت، وتمحى الحدود بين المدني والعسكري، بين الحياة والموت. في هذا السياق، تصبح المرأة هدفا مزدوجا: ضحية للعنف المباشر، وضحية لغياب العدالة. غير أن غزة ليست وحدها في هذا المصير. فثمة جغرافيات أخرى، أقل حضورا في الإعلام، لكنها لا تقل مأساوية: السودان، الكونغو، مالي… أماكن تتكاثر فيها المآسي بصمت، وتدفن فيها قصص النساء دون أن تجد من يرويها. هناك، كما هنا، تتكرّس اللامرئية كقدر إضافي، يُضاعف من وطأة الألم.

في هذه الحروب، لا تستخدم الأسلحة فقط لقتل الأجساد، بل لتفكيك الكرامة. تُمارس الانتهاكات الجنسية كأدوات إذلال، وتُفرض الهجرة القسرية كنوع من الاقتلاع الوجودي، وتُغلق أبواب العدالة في وجه الضحايا، وكأن معاناتهن لا تستحق الاعتراف. ورغم وجود اتفاقيات دولية، مثل اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وقرارات مجلس الأمن، وعلى رأسها القرار 1325، فإنها تبدو اليوم كأنها نصوص معلّقة في الفراغ، بلا أثر فعلي على الأرض. القوانين موجودة، لكن العدالة غائبة. والفرق بينهما، في زمن الحرب، قد يكون قاتلا. في الثالث عشر من مارس 2026، اجتمعت أصوات نسائية في الرباط، حضورا وعن بعد، لا لتبادل الخطابات، بل لطرح الأسئلة الصعبة. كيف يمكن الحديث عن ضربات جراحية في حروب تحوّل الحياة اليومية إلى كابوس دائم؟ كيف يمكن تبرير هذا الكم من العنف باسم الأمن أو السياسة أو الأيديولوجيا؟

في مداخلتها حول أوضاع النساء زمن الحروب والنزاعات المسلحة في الشرق الأوسط، طرحت الأستاذة فاطمة المغناوي الناشطة الحقوقية والنساءية سؤال : اي معنى للقانون الدولي الإنساني أمام مختلف الانتهاكات الجسيمة التي تعيشها النساء والفتيات على مراى ومسمع من العالم  ، ماهي مسؤولية المنتظم الدولي ؟ فجاء صوتها يحمل ثقل التجربة، عن واقع تنتهك فيه أبسط الحقوق، حتى الحق في الخصوصية. واقع تراقبه الكاميرات، لكن لا تغيّره. وكأن العالم اكتفى بدور المتفرج، بينما تكتب المأساة في الزمن الحقيقي.

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ساد الاعتقاد بأن البشرية تعلّمت الدرس. لكن ما نشهده اليوم يوحي بالعكس. فالعنف لم يتراجع، بل تطوّر، واكتسب أشكال أكثر تعقيدا، وأكثر قسوة. والأسوأ، أنه أصبح يقبل أحيانا كأمر واقع. في هذا السياق، تبرز الحركة النسائية العالمية كقوة أخلاقية، قادرة على إعادة توجيه البوصلة. اتحاد العمل النسائي، الذي لم يتخلّ يومًا عن التزامه، يواصل اليوم نضاله، مستندا إلى تاريخ من التضامن، خاصة مع النساء الفلسطينيات. 

فمنذ 2002، أطلق مبادرة “أمهات بلا حدود”، في محاولة لخلق شبكة دعم عابرة للجغرافيا. لكن التحدي اليوم أكبر. فالوصول إلى العدالة لم يعد مجرد مطلب، بل ضرورة وجودية. العدالة، حتى وإن كانت جزئية، تمثّل اعترافا بالمعاناة، وخطوة نحو استعادة الكرامة. غير أن النساء في مناطق النزاع، وعلى رأسهن الفلسطينيات، محرومات من هذا الحق. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن الحديث عن عدالة دون إمكانية الوصول إليها؟ وهل يمكن للقانون الدولي أن يحتفظ بشرعيته، إذا ظل عاجزا عن حماية الأكثر هشاشة؟

إن العنف القائم على النوع الاجتماعي في الحروب لم يعد ظاهرة هامشية، بل أصبح سمة مركزية. ومع ذلك، لا يزال الاعتراف به محدودا، والإجراءات القانونية لمواجهته غير كافية. وهذا ما يستدعي تحركا عاجلا، ليس فقط من المؤسسات الدولية، بل من المجتمع المدني، ومن كل من يؤمن بأن العدالة ليست امتيازا، بل حق. إن ما جرى في ذلك اللقاء ليس مجرد حدث، بل لحظة وعي جماعي، لحظة كُشف فيها الغطاء عن واقع مرّ، وطُرحت فيها الأسئلة التي لا يمكن تجاهلها بعد الآن. أين يقف القانون الدولي اليوم؟ وما قيمته إذا لم يحم النساء في زمن الحرب؟ في عالم يتآكل فيه المعنى، تبقى مسؤولية الإنسان، رجلا كان أو امرأة، أن يقاوم هذا التآكل، وأن يعيد للعدالة معناها. ليس كشعار، بل كفعل. وليس كحلم، بل كحقّ لا يقبل التأجيل.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “نساء في زمن الحرب: عدالة ترميم الجروح

  1. عالم اليوم تقوده أفكار الأنوار المظلمة. يا المفارقة: انوار/ مظلمة، نور مظلم. وهو في العمق تعبير على حقيقة ما تعرضت له قيم عصر الأنوار من الخميس وضرب في الصميم. نعرف أنه مع هذا العصر، عصر الأنوار. تم ميلاد الإنسان الشخص ، الذي لا يقبل حياة بدون كرامة، والفرد الذي يعيش ذاته بكامل الحرية. وواكب كل ذلك ميلاد الدولة الديموقراطية الصامتة لجميع الحقوق التي بدونها لست لا شخصا ولا فردا ولا مواطنا.
    جاء دعات الأنوار المظلمة للدفع بالدول المفارقة ، تلك التي تقدم نفسها وصية على مسار البشر فوق الأرض للتراجع عن كل تلك القيم الأنوارية وعلى رأسها الحقوق. وكان ذلك من خلال تبخيس بل وتجاوز التنظيمات الدولية التي تتكلم بإسم الحق والقانون الدوليين. ما يحدث من تدمير في قلب اوروبا والشرق الأوسط ، هو الدليل القاطع على قمة الهمجية التي تقدم الاطفال والنساء والشباب والشيوخ تحت الأنقاض بآخر ما تم ابتكاره من تقنية وقوة.
    في ظل هذا الوضع الكوني، جميع المؤشرات تشي بالتراجع الكلي عن قيم عصر الأنوار، وزرع الشك واللامعنى والبلاهة في وعي الناس، لكي تسقط قيمة تلك القيم في سلة المهملات. السؤال: العالم إلى أين؟ ذلك هو السؤال أمام انطفاء جميع الفوانيس ليسوم نور مظلم….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *