بقلم د.زكية لعروسي
في مطلع سورة قصيرة كالسهم، عميقة كالبحر، يقف النصّ القرآني على عتبة الحرف: ﴿ن وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ من القرآن الكريم، في سورة سورة القلم. قسم بالحرف، وقسم بأداة الكتابة، وقسم بالفعل نفسه: ما يسطرون. كأنّ السماء، قبل أن تكلّم الأرض، رفعت القلم عاليا وقالت: هنا يبدأ التاريخ. لكن كيف يُقسم النصّ بالقلم في زمن تروى فيه القصائد شفاهة، وتحفظ الأنساب في صدور الرجال، ويقال عن العرب إنهم “أمّة أميّة”؟ هل كان ذلك استشرافا لوحي يرى المستقبل، أم شهادة على واقع أقدم ممّا نتصوّر؟
قبل الإسلام بقرون، وعلى تخوم فلسطين، كانت الحروف تنقر في الصخر كما تغرس البذور في التراب. في تلّ زيت، وفي لاخيش، وفي جازر، عثر على نقوش كنعانية مبكرة، وأوستراكات (شقف فخارية) تحمل رسائل إدارية وعسكرية. لم تكن تلك الكتابة زينة لغوية، بل كانت اقتصادا وسياسة وتدبيرا يوميا. فلسطين لم تكن هامشا حضاريا؛ كانت معبر الأبجديات. منها تسرّبت البذرة الفينيقية، ومنها نمت أغصان وصلت إلى اليونان وروما. الحرف لم يولد فجأة في القرن السابع الميلادي، بل كان يسافر، يتخفّى، ويتحوّل.
القول إن العرب قبل الإسلام كانوا شفويين قول يحتاج إلى دقّة. نعم، كانت الثقافة الشفاهية سيدة المشهد، وكانت القصيدة ديوان العرب. لكن الشفاهة لا تعني غياب الكتابة. في شمال الجزيرة، نقوش صفوية ونبطية؛ في البتراء وحرّة الشام، أسماء أدعية ورسائل قصيرة. الخط النبطي، الذي سيتحوّل لاحقا إلى العربية، كان يمارس تمارينه الصامتة على الصخور. في مكة والمدينة، عرف كتبة معدودون، وكانت المعاملات التجارية تدوّن. كلمة “أمّي” في السياق القرآني لا تعني بالضرورة الجهل المطلق بالقراءة، بل الانتماء إلى أمّة لم تتلقّ كتابا سماويا سابقا، أو إلى جماعة غير منخرطة في تقاليد أهل الكتاب. إذا، حين يُقسم النصّ بالقلم، فهو لا يستدعي أداة غريبة عن الوعي، بل يضخّم أداة موجودة، كامنة، تنتظر أن تتحوّل من أداة حساب إلى أداة خلاص.
ثمة من يرى في الآية إشرافا على عصر التدوين العظيم: جمع الحديث، تدوين الفقه، ازدهار علوم اللغة. وكأنّ القسم بالقلم إعلان مسبق عن حضارة ستقوم على الحبر. غير أنّ القراءة الفلسفية الأعمق ترى أن الوحي لا يتنبّأ فحسب، بل يعيد ترتيب المعنى. القلم هنا ليس مجرد قصبة مغموسة في المداد، بل مبدأ:
– مبدأ التثبيت في وجه النسيان
– مبدأ العقل في وجه العشوائية
– مبدأ المسؤولية في وجه الفوضى
حين يقول النصّ وما يسطرون، فإنه يفتح الباب للفاعل المجهول: البشر. الكتابة فعل بشري، لكن القسم بها يمنحها قداسة جديدة. إنها ليست ضدّ الشفاهة، بل امتداد لها. الشفاهة نار، والكتابة رمادها الذي يحتفظ بالحرارة.
التاريخ ليس كاملا. ما وصلنا شذرات، وما ضاع ربما كان أضعافه. كم من رقّ تحلّل، وكم من لوح تكسّر، وكم من نصّ أكلته الرطوبة؟ غياب الأثر لا يعني غياب الفعل. الفراغ في السجلّ الأثري ليس دليل العدم، بل دليل هشاشة الذاكرة المادية. ربما كانت هناك دفاتر في بيوت تجار مكة، وربما كانت هناك رسائل شخصية لم تصلنا. نحن نرى الصحراء صامتة، لكن الصمت لا يعني أنها لم تكتب؛ بل يعني أننا لم نقرأ كلّ ما كتب عليها. في التصور الإسلامي اللاحق، سيغدو القلم أوّل المخلوقات، يكتب المقادير قبل أن يتشكّل الزمن. القلم هنا ليس أداة بشرية، بل كائن كوني. بهذا المعنى، يصبح القسم بالقلم تأسيسا لفلسفة كاملة: الوجود نفسه نصّ، والعالم مخطوط مفتوح، ونحن حواشيه. “نون” حرف يتيم، غامض، مفتوح على التأويل. ثم القلم. ثم السطر.
من فلسطين التي حفرت الأبجدية في الحجر، إلى الجزيرة التي أنشدت القصيدة في الهواء، إلى المدينة التي ستجمع الوحي في مصحف يتشكّل خطّ طويل من الذاكرة. ليس الوحي قفزةً في فراغ ثقافي، بل إشعال لشرارة كانت كامنة. القسم بالقلم ليس معجزة ضدّ التاريخ، بل معجزة داخل التاريخ. إنه إعلان أن الحكاية الشفوية ستجد جسدا، وأن الصوت سيبحث عن ظلّ مكتوب، وأن الإنسان – مهما ادّعى الأمية – يحمل في داخله شهوة السطر. في البدء كان الحرف. وفي البدء كان السؤال. وما يزال القلم، منذ ذلك القسم، يكتبنا… ونحن نظنّ أننا نكتبه….
