بقلم زكية لعروسي، باريس
في عالم تقاس فيه الكلمات بوزن الصواريخ، وتقرأ الإشارات بين السطور كما تقرأ خرائط الحروب، جاءت “الهدنة الترامبية” كأنها ومضة برق في سماء ملبّدة، لا تنير الطريق بقدر ما تربك البصيرة. ما الذي يعنيه أن ينتقل دونالد ترامب في غضون ساعات من التهديد بضربات “مدمّرة” إلى الحديث عن “مفاوضات مثمرة” مع إيران؟ أهي براغماتية رجل الأعمال، أم لعبة أكبر تحاك خلف الستار؟
حين كتب سان تزو في فن الحرب أن “أسمى أشكال النصر هو كسر إرادة العدو دون قتال”، لم يكن يتحدث عن الصواريخ، بل عن النفس البشرية. وفي المقابل، أصرّ كارل فان كلاسيفيتس على أن الحرب “استمرار للسياسة بوسائل أخرى”. ترامب، في تقلباته الحادة، يبدو كمن يحاول الجمع بين هذين المبدأين: تهديد لرفع كلفة التحدي ثم انفتاح مفاجئ لتقديم مخرج تفاوضي لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل هذه استراتيجية واعية، أم مجرد ردود فعل على ضغط الأسواق والسياسة الداخلية؟

لم تكن الدبابات وحدها في ساحة المعركة، بل أيضا شاشات التداول. عندما هبط سعر النفط بشكل حاد عقب تصريحات ترامب، بدا وكأن “وول ستريت” قد أطلقت صافرة إنذار. في عالم اليوم، لم تعد الحرب تخاض فقط في مضيق هرمز، بل في: مؤشرات البورصة, أسعار الطاقة وثقة المستثمرين. وهنا يتجلى مفهوم “الحرب الاقتصادية الشاملة”، حيث تصبح الأسواق لاعبا يفرض إيقاعه على القرار السياسي، وربما يجبر القادة على التراجع قبل أن تنفجر المواجهة. ومن ثمة ولدت عبارة – ترامب يجبن دائما – من رحم الصحافة الاقتصادية، لكنه تحوّل إلى عدسة تحليل. هل نحن أمام زعيم يلوّح بالقوة ليحصل على تنازلات، أم أمام نمط متكرر من التراجع تحت الضغط؟ في الفلسفة السياسية، يشبه هذا ما وصفه نيكولو مكيافيلي حين قال إن الحاكم قد يحتاج إلى أن يبدو “أسدا وثعلبا في آن واحد”. لكن الخط الفاصل بين الدهاء والتردد دقيق للغاية وخطير.

في المقابل، جاء النفي الإيراني للمفاوضات كقطرة باردة على حماسة الأسواق. الصمت الإيراني، أو إنكاره، ليس مجرد ردّ دبلوماسي، بل رسالة:”نحن لا نلعب وفق إيقاعكم.”. وهذا يعيدنا إلى مبدأ الردع: إذا بدا الطرف الآخر متقلبا، فإن أفضل رد قد يكون الثبات… أو على الأقل، إظهار ذلك. الهدنة في التاريخ ليست دائما بوابة سلام، بل أحيانا: استراحة لإعادة التموضع أو فخّ لامتصاص الضربة أو حتى وهم لطمأنة الأسواق لا أكثر يقول توماس هوبز إن الإنسان يعيش في “حرب الكل ضد الكل” ما لم تضبط القوة. لكن في عالم الدول، قد تكون الهدنة نفسها جزءا من الحرب، لا نقيضها. هل نحن في الخيال؟ ما يجعل هذه اللحظة تبدو”خيالية” ليس فقط سرعة التحول، بل غياب اليقين:
– تهديد يتحول إلى تفاوض
– تفاوض ينكره الطرف الآخر
– وأسواق ترتجف بين الأمل والخوف
إنها لوحة سريالية حيث تختلط الدبلوماسية بالتغريدات، والاستراتيجية بالاندفاع، والواقع بالاحتمالات. قد تكون “الهدنة الترامبية” مجرد سحابة صيف عابرة… أو أول خيط في نسيج اتفاق أكبر. لكن التاريخ يعلّمنا أن اللحظات الأكثر هدوءا هي أحيانا الأكثر خداعا. ربما لسنا أمام سلام، بل أمام: صمت ثقيل… يسبق صوت الإعصار.
📲 Partager sur WhatsApp