بقلم زكية لعروسي، باريس
في خضمّ الحرب في أوكرانيا، لم تعد المعارك تخاض فقط على الأرض، بل في الظلال أيضا… حيث تتقاطع المصالح، وتتداخل الولاءات، وتذوب الحدود بين الحليف والخصم. الاتهام الذي أطلقه دونالد تاسك ضد فيكتور أوربان، بأن هنغاريا تلعب دور “الطُعم” أو “الجاسوس” لصالح روسيا داخل اجتماعات الاتحاد الأوروبي هو مرآة تعكس أزمة ثقة عميقة داخل المنظومة الغربية نفسها.
ليس جديدا أن تتهم الدول بعضها بالتجسس. فالعلاقات الدولية، منذ نشأتها، لم تبنَ يوما على الثقة المطلقة، بل على توازن دقيق بين المصالح والريبة. الجديد هنا، هو أن الاتهام يأتي من داخل البيت الأوروبي، وفي لحظة حساسة تتطلب أعلى درجات التماسك. فهل نحن أمام اختراق حقيقي؟ أم أمام تصفية حسابات سياسية مغلفة بخطاب أمني؟ لماذا هنغاريا تحديدا؟
لفهم هذا الاتهام، لا بد من النظر إلى موقع هنغاريا السياسي. فمنذ سنوات، يتبنى فيكتور أوربان نهجا مغايرا لبقية قادة الاتحاد الأوروبي، يقوم على: علاقات أكثر دفئا مع روسيا برفض أو تعطيل بعض العقوبات الأوروبية, وخطاب سيادي يرفض”الإملاءات” الغربية. هذا التمايز جعل هنغاريا ترى، في نظر البعض، كـ”جسم غير منسجم” داخل الاتحاد، أو حتى كـ”حصان طروادة” يخدم مصالح موسكو. لكن هل الاختلاف السياسي يعني بالضرورة خيانة أو تجسس؟ هنا يكمن جوهر الإشكال.
السياسة لا تعرف الفراغ. وهنغاريا، كدولة صغيرة نسبيا في قلب أوروبا، تدرك أن أمنها الطاقي والاقتصادي مرتبط بعلاقاتها مع روسيا، خاصة في مجال الغاز. لذلك، فإن سلوكها قد يفسَّر من زاويتين: إما براغماتية سياسية لحماية مصالحها أو انحياز استراتيجي يثير الشكوك غير أن تحويل هذا الاختلاف إلى اتهام بالتجسس يعكس شيئًا أعمق: أزمة ثقة داخل الاتحاد نفسه.
في عالم اليوم، لم يعد السؤال: “هل توجد أجهزة استخبارات؟” بل: “إلى أي مدى أصبح كل شيء استخبارات؟” من الاجتماعات الدبلوماسية إلى التحالفات العسكرية، ومن الاقتصاد إلى الإعلام… كل شيء قابل للاختراق، أو على الأقل للشك. حتى العلاقات “الصغرى” بين الدول لم تعد بريئة من حسابات النفوذ. وهنا يظهر التناقض الكبير: الجميع يتجسس… لكن الجميع يدين الآخر عندما يكشف. من يتهم من؟ المفارقة أن الاتهام ذاته يحمل في طياته اعترافا ضمنيا بأن المعلومات حساسة، وأن تسريبها ممكن، وأن الثقة لم تعد قائمة. فبدل البحث عن “الجاسوس”، ربما السؤال الأهم هو: لماذا أصبحت بيئة الاتحاد الأوروبي نفسها قابلة لهذا النوع من الشكوك؟
ربما لم تعد السياسة مجالا للأخلاق بقدر ما هي ساحة للمصالح المتصارعة. واتهام هنغاريا اليوم ليس إلا عرضا لمرض أكبر: عالم يعيش على وقع التحالفات الهشة، والشكوك المتبادلة، والخوف من “الآخ”… حتى لو كان شريكا. في هذا الزمن، لا أحد بريء تماما… ولا أحد موثوق بالكامل. وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه النظام الدولي اليوم.
📲 Partager sur WhatsApp