بقلم زكية لعروسي
الحرب، في جوهرها العاري، ليست مجرد مواجهة بين جيوش أو صراع على النفوذ والحدود. إنها لحظة سقوط أخلاقي للبشرية حين يصبح الموت أداة سياسية، وحين تتحول المدن إلى خرائط للأهداف العسكرية. لكن المأساة تبلغ ذروتها حين تسقط القذائف فوق الأماكن التي تمثل الحياة في أبسط صورها: مدرسة، مستشفى، أو بيت صغير. عندها لا يعود السؤال فقط: من أطلق الصاروخ؟ بل يصبح السؤال الأعمق: من يتحمل مسؤولية الدم؟
في إحدى مدن الجنوب الإيراني، سقط صاروخ قرب مدرسة للبنات، فانهارت جدران الطفولة تحت قوة الحرب. الحقائب المدرسية الملطخة بالدم، والجوارب الصغيرة التي لم تعد تبحث عن طريقها إلى الصفوف، تحولت فجأة إلى دليل أخلاقي على أن الحرب ـ مهما ادعت الدقة التكنولوجية – تبقى عملا بشريا يحمل إمكانية الخطأ والكارثة. منذ قرون، حاولت البشرية أن تضع للحرب قواعد. لم يكن الهدف تبريرها، بل تقليص قسوتها. هكذا ولد ما يسمى بالقانون الدولي الإنساني، الذي يقوم على مبدأ بسيط: حتى في الحرب، هناك حدود لا يجوز تجاوزها. المدنيون يجب أن يُحموا. الأطفال ليسوا أهدافاً عسكرية. المدارس ليست ساحات قتال. لكن هذه القواعد، رغم قوتها النظرية، تصطدم بواقع السياسة الدولية. فالدول الكبرى تمتلك القوة العسكرية، وغالبا ما تمتلك أيضاً القدرة على الإفلات من المساءلة. هنا يظهر التناقض العميق في النظام الدولي: القانون موجود، لكن القوة تحدد متى يطبق.
إذا كانت ضربة عسكرية تؤدي إلى مقتل أطفال في مدرسة، فإن القانون الدولي قد يصفها بسهولة بأنها جريمة حرب محتملة. لكن الطريق من التوصيف إلى المحاكمة طويل ومعقد. المحاكم الدولية، مثل المحكمة الجنائية الدولية، لا تستطيع دائماً ملاحقة المسؤولين إذا لم تعترف الدول المعنية بسلطتها. أما المؤسسات الدولية الأخرى، كالأمم المتحدة، فهي رهينة التوازنات السياسية وحق النقض الذي تمتلكه القوى الكبرى. وهكذا نجد أنفسنا أمام مفارقة أخلاقية: العدالة العالمية موجودة على الورق، لكنها غالبا عاجزة أمام القوة السيادية للدول. فهل نحن أمام مسؤولية فردية أم جماعية؟ الفلسفة السياسية تطرح سؤالا أعمق: من المسؤول فعلاً عن مآسي الحرب؟ هل هو الجندي الذي ضغط على زر الإطلاق؟ أم الضابط الذي أصدر الأمر؟ أم القادة السياسيون الذين اختاروا الحرب أصلا؟ في الواقع، المسؤولية في الحروب تشبه سلسلة طويلة من القرارات. وكل حلقة فيها تشارك في النتيجة النهائية. ومع ذلك، فإن القانون يميل إلى البحث عن المسؤولية الفردية، لأن العدالة تحتاج إلى أسماء ووجوه، لا إلى مفاهيم مجردة. لكن الضحايا، خصوصا الأطفال، لا يميزون بين هذه المستويات من المسؤولية. بالنسبة لهم، الحرب ليست قرارا استراتيجيا بل انفجارا أنهى حياتهم أو غيّرها إلى الأبد.
حتى عندما تفشل العدالة القانونية، يبقى هناك نوع آخر من العدالة: عدالة الذاكرة. المنظمات الحقوقية والصحافة والمحققون المستقلون يوثقون ما حدث، يحفظون الصور والأسماء والشهادات. قد تمر سنوات أو عقود قبل أن تتحول هذه الوثائق إلى ملفات قضائية. لكن التاريخ أظهر أن الجرائم الكبرى نادراً ما تختفي بالكامل. فبعض المحاكمات تأتي متأخرة، لكنها تأتي لأن الحقيقة بقيت محفوظة. السؤال الذي يطارد الإنسانية، ليست القضية فقط محاكمة دولة أو قائد عسكري. القضية أعمق من ذلك بكثير. إنها تتعلق بالسؤال الذي يرافق كل حرب: هل تستطيع البشرية أن تضع حدودا حقيقية للعنف الذي تمارسه باسم الأمن أو السياسة؟ كل طفل يُقتل في مدرسة خلال حرب يطرح هذا السؤال من جديد. وكل مرة تعجز العدالة عن الإجابة، يصبح العالم أكثر إدراكا لهشاشة النظام الذي يدعي حماية الإنسان. ربما لا تستطيع المحاكم دائما أن تعيد الحياة إلى الضحايا. لكن مجرد السعي إلى الحقيقة والمساءلة يبقى محاولة إنسانية ضرورية، لأن البديل الوحيد هو عالم تصبح فيه الصواريخ أقوى من العدالة، ويصبح صمت القانون شريكا في المأساة.
