بقلم زكية لعروسي, باريس
في كل موسم انتخابي، يخرج علينا بعض الفاعلين السياسيين بموائد مستديرة ولقاءات رمضانية تحمل عناوين كبيرة عن “إصلاح القطاع الصحي” و”العدالة الصحية” و“تعميم التغطية”. كلمات براقة، تبدو للوهلة الأولى وكأنها إعلان عن بداية تحول حقيقي. غير أن المتأمل قليلا يكتشف أن هذه اللقاءات غالبا ما تتحول إلى مسرح آخر لإعادة تدوير الخطاب ذاته الذي سمعه المغاربة منذ سنوات طويلة. اللقاء الرمضاني الأخير لحزب الأصالة والمعاصرة بالرباط ليس استثناء من هذه القاعدة. فقد امتلأ بالكلام عن الاختلالات البنيوية في المنظومة الصحية: ضعف الحكامة، الخصاص في الموارد البشرية، التفاوت المجالي، قدم الترسانة القانونية، وارتفاع كلفة العلاج. كل هذه القضايا حقيقية ولا يختلف حولها اثنان. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل اكتشفها المتدخلون اليوم فقط؟ أم أنها كانت معروفة منذ سنوات طويلة، بما فيها السنوات التي كان فيها بعض هؤلاء الفاعلين أنفسهم جزءا من مراكز القرار؟
حين نسمع أرقاما مثل وجود 9 أطباء فقط لكل عشرة آلاف نسمة، أو تمركز 45% من الأسرة الاستشفائية في جهتين فقط، أو تحمّل الأسر لنحو نصف مصاريف العلاج من جيوبها الخاصة، لا يمكن إلا أن نتساءل: أين كانت الإرادة السياسية طوال العقدين الماضيين؟ وهل كان غياب الحلول سببه نقص المعرفة بالمشكل، أم غياب الجرأة في اتخاذ القرار؟ إن المفارقة الأكثر إثارة للانتباه أن كثيراً من هذه التشخيصات الدقيقة تصدر في لحظات سياسية حساسة، غالبا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية. وكأن الاعتراف بالأزمة يصبح فجأة فضيلة سياسية حين يتحول إلى مادة خطابية قابلة للتوظيف الانتخابي. لكن المواطن الذي يقف ساعات طويلة أمام مستشفى عمومي مكتظ، أو الذي يضطر لبيع ممتلكاته من أجل علاج أحد أفراد أسرته، لم يعد ينتظر تشخيصا جديدا للأزمة. فالأزمة بالنسبة إليه ليست أرقاماً في عرض تقديمي، بل تجربة يومية يعيشها في جسده وجيبِه وكرامته.

السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرح ليس: ما هي اختلالات النظام الصحي؟ فهذه أصبحت معروفة للجميع. السؤال الأهم هو: من المسؤول عن استمرارها؟ ومن يملك فعلا الإرادة لتغييرها خارج منطق الخطاب الموسمي؟ ثم إن الحديث عن”أزمة حكامة” يبدو أحيانا وكأنه تعبير لطيف يخفي سؤال السلطة والمسؤولية. فالحكامة ليست مفهوما تقنيا مجردا؛ إنها نتاج قرارات سياسية، واختيارات مالية، وتوازنات مصالح. لذلك فإن إصلاح المنظومة الصحية لا يبدأ فقط بإصدار تقارير أو عقد لقاءات فكرية، بل بإعادة ترتيب الأولويات الوطنية بشكل واضح وصريح. وفي هذا السياق، يحق للمغاربة أن يتساءلوا: هل تتحول اللقاءات السياسية إلى فضاءات حقيقية لصناعة الحلول، أم أنها مجرد منصات لإعادة إنتاج الخطاب الإصلاحي ذاته الذي يسبق كل انتخابات؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في أي مجتمع ليس وجود الأزمات، بل تحول الحديث عنها إلى طقس سياسي موسمي يستخدم لتهدئة الوعي الجماعي بدل تحفيزه على المطالبة بالتغيير الحقيقي. ولذلك، ربما لم يعد المطلوب من المواطن أن يصفق للتشخيصات الجديدة، بل أن يطرح سؤالا بسيطا لكنه مزعج: إذا كانت كل هذه الاختلالات معروفة اليوم، فلماذا لم تحلّ بالأمس؟ وإذا كانت الحلول واضحة الآن، فما الذي يضمن ألا تُعاد القصة نفسها بعد الانتخابات القادمة؟
