بقلم د. زكية لعروسي
في شرق لندن، انتهت حكاية شاب في الرابعة والثلاثين كان يريد أن يصبح نسخة من حلم لا يشبهه. Jordan James Parker، الذي أنفق ما يزيد على مئة وخمسة وعشرين ألف يورو ليقترب من صورة Kim Kardashian، لم يكن مجرد مؤثر مولع بالتجميل، بل كان مرآة مكبرة لزمن يطارد صورته حتى الموت. كان يلقب بملك الشفاه. خضع لعمليات تجميل لا تحصى، من تجميل الأنف إلى حقن الفيلر و حشو الشفاه وعمليات إعادة تشكيل الجسد. ظهر في برنامج Botched باحثا عن تصحيح ما أفسده السعي إلى الكمال. لكنه في الحقيقة لم يكن يصلح جسده، بل كان يطارد شبحا اسمه القبول. السؤال ليس في تفاصيل وفاته، ولا في التحقيقات التي فتحتها الشرطة، بل في سؤال أعمق وأكثر وجعا: إلى أين نحن ذاهبون حين يتحول الجسد إلى ساحة تجارب، وحين يصبح الوجه مشروعا مفتوحا لإعادة التصميم؟
العولمة لم تصدر لنا السلع فقط، بل صدرت نموذجا واحدا للجمال، معيارا لامعا لا يقبل التعدد. الشاشة صارت مرآة كونية، تقيس الأنوف والشفاه والوجنات بمسطرة واحدة. من لا يشبه الصورة يشعر أنه ناقص، ومن لا يلمع الفلاتر يشعر أنه متأخر عن ركب الجاذبية. وهكذا يتحول الجسد إلى مشروع استثماري، والملامح إلى أسهم في بورصة الرغبة. في علم النفس، يقال إن اضطراب تشوه صورة الجسد يجعل الإنسان يرى في المرآة ما لا يراه الآخرون. لكن ماذا لو كانت المرآة نفسها مختلة؟ ماذا لو كانت الثقافة هي التي تضخم العيوب وتزرع القلق وتعيد تعريف الطبيعي باعتباره غير كاف؟ هنا لا يعود الأمر حالة فردية، بل يصبح عرضا جماعيا لقلق حضاري. أمهاتنا كن يقلن إن الجمال جمال الروح، وإن الضحكة الصادقة تزين الوجه أكثر من كل المساحيق. كانت أمي خيرة تقول لبناتها إن الله إذا أحب عبدا زينه بالرضا. لم تكن تملك حسابا على أنستغرام، لكنها كانت تملك يقينا بسيطا أن الوجه الذي يعرف الفرح لا يحتاج إلى سيليكون. اليوم، صارت الشفاه تضخم لا لتبتسم بل لتصور. وصار الخد ينحت لا ليحمر خجلا بل ليعكس الضوء. الجسد لم يعد بيتا نسكنه بل واجهة نعرضها. ومع كل حقنة فيلر، هناك حقنة خفية من قلق. ومع كل عملية تجميل، هناك عملية محو جزء من قصة شخصية كانت تسكن الملامح.
المفارقة أن هذا السعي المحموم للكمال يولد هشاشة أعمق. حين يصبح القبول مشروطا بالشكل، يتحول الحب إلى تقييم بصري، ويتحول التقدير إلى عدد إعجابات. السيليكون لا يملأ فراغا وجوديا، بل قد يغطيه بطبقة لامعة سرعان ما تتشقق. خلف الشفاه المنتفخة قد يسكن صمت ثقيل، وخلف الأنف المعاد تشكيله قد يختبئ شعور قديم بعدم الكفاية. هل أخطأنا حين ربطنا النجاح بالجاذبية؟ أم حين سمحنا للسوق أن يعيد تعريف معايير الجمال؟ أم حين تخلينا عن أصالتنا الثقافية لصالح نموذج عالمي موحد؟ العولمة ليست شرا خالصا، لكنها حين تتسلل إلى أكثر مناطق الإنسان حميمية، إلى وجهه، إلى بشرته، إلى ملامحه، فإنها تعيد تشكيل هويته على مهل. خرق خلقة الله ليس مجرد تعبير ديني، بل سؤال فلسفي عن حدود الحرية. هل يحق للإنسان أن يعيد نحت ذاته كما يشاء؟ نعم، الحرية قيمة عليا. لكن الحرية التي تولد من كراهية الذات ليست تحررا بل قيدا جديدا. حين يتحول التجميل من خيار إلى هوس، ومن تصحيح بسيط إلى سباق لا ينتهي، نكون قد انتقلنا من تحسين الطبيعة إلى الهروب منها. قصة شاب أراد أن يشبه امرأة يراها الأكثر جمالا في العالم ليست قصة تقليد، بل قصة عطش إلى اعتراف. مجتمعنا، بشرقه وغربه، صار يمنح الاعتراف لمن يطابق الصورة. ومن لا يطابقها يسعى إلى تعديل نفسه بدل تعديل المعايير.
ربما آن الأوان أن نسأل أنفسنا بصدق: أين حياتنا البسيطة التي كانت ترسم الفرح على وجوهنا دون تكلفة؟ أين الضحكات التي كانت تترك تجاعيد محببة لا نخجل منها؟ أين الأمهات اللواتي كن يزرعن فينا الطمأنينة بدل الشك في ملامحنا؟ لسنا بحاجة إلى حرب على التجميل، ولا إلى شيطنة كل عملية جراحية. لكننا بحاجة إلى ثورة هادئة في وعينا، تعيد للجسد كرامته كوعاء للروح لا كمسرح استعراض. بحاجة إلى تربية نفسية تعلم أبناءنا أن القيمة لا تقاس بحجم الشفاه ولا بانحناءة الأنف، بل بعمق الفكرة وصدق القلب. في زمن السيليكون، ربما تكون أعظم مقاومة هي الرضا. وفي عالم الفلاتر، ربما تكون أعظم شجاعة هي أن ننظر في المرآة ونقول هذا أنا، بكل نقصي وجمالي، دون حاجة إلى حقنة أخرى
