بقلم زكية لعروسي، باريس
كان رحيل ليونيل جوسبان يشبه انطفاء مصباح قديم في مكتبة عتيقة لا يرتادها الا القليلون، اولئك الذين يعرفون أن الضوء الخافت أكثر صدقا من وهج القاعات الصاخبة. لم يكن الرجل من سلالة السياسيين الذين يتركون وراءهم صدى الضجيج، بل من أولئك الذين يمشون في التاريخ بهدوء، كأنهم يخشون أن يوقظوا شيئا نائما في روح الشعوب. وحين نطق في تلك الليلة البعيدة، ليلة 21 أبريل من سنة 2002 من الدورة الاولى للانتخابات الرئيسية ، بكلماته القليلة وانسحب، لم يكن يخرج من السياسة فقط، بل كان يخرج من لعبة كاملة، من مسرح يعرف جيدا أن البقاء عليه يتطلب شيئا لم يعد يريده، او ربما لم يكن يملكه أصلا.

كان يمكنه أن يفعل ما يفعله الآخرون، أن يشكك، أن يبرر، أن يعيد ترتيب الهزيمة على شكل انتصار مؤجل، لكن شيئا داخله كان أكثر صلابة من كل ذلك، شيئا يشبه ما تحدث عنه فريدريك نيتشه حين حذر من أن من يقاتل الوحوش عليه أن ينتبه كي لا يتحول هو نفسه إلى وحش. جوسبان، في لحظة نادرة من صفاء داخلي، بدا وكأنه سمع ذلك التحذير جيدا، فاختار ان يضع السلاح لا لأن المعركة انتهت، بل لأنه لم يعد يريد أن يخوضها بالشروط التي تفرضها عليه.
كان رجلا من زمن أخر، زمن كانت فيه الفكرة تسبق الصورة، وكان المثقف لا يخجل من دخوله السياسة بل يراها امتدادا طبيعيا للعقل. لم يكن بارعا في التمثيل، ولم يحسن لعبة الأقنعة، وكان صوته أحيانا يبدو كأنه قادم من قاعة درس أكثر منه من منصة انتخابية. وربما كان هذا تحديدا ما حكم عليه بالخسارة، لأن الجماهير، كما قال غوستاف لوبون، لا تنقاد دائما للعقل بل لما يثيرها ويهزها ويمنحها وهما جماعيا بالقوة. ومع ذلك، كانت تجربته في الحكم أشبه بمحاولة هادئة لإعادة تشكيل الزمن الاجتماعي، كأنه كان يمد يده داخل نسيج الحياة اليومية ليعيد ترتيبه دون ضجيج، ساعات عمل تتغير، حقوق تتوسع، ومجتمع يحاول أن يصبح أكثر توازنا. لكن السياسة، في جوهرها، ليست مختبرا نقيا، بل ساحة تتصارع فيها التصورات والغرائز والمخاوف، وحين جاءت لحظة الحساب، لم يكن الميزان عادلا ولا دقيقا، بل كان أقرب الى عاصفة عمياء.
في تلك اللحظة، حين تقدم جاك شيراك وظهر جانب مارين لوبين كظل ثقيل يزحف على المشهد، بدا الأمر كأن التاريخ انحرف فجأة عن مساره، أو كأن شيئا خفيا كان يتراكم في أعماق المجتمع ثم انفجر دفعة واحدة. لم تكن هزيمة رجل فقط، بل كانت إشارة مبكرة الى أن العالم يتغير في اتجاه لم تدركه النخب بعد.ومع ذلك، فإن أكثر ما يدهش في سيرة جوسبان ليس صعوده ولا سقوطه، بل خروجه. الخروج كفعل نادر، كقرار يتطلب شجاعة مختلفة، شجاعة أن تقول لا لإغراء الاستمرار، لا لوهم العودة، لا لذلك الصوت الذي يقنع السياسيين أنهم لا غنى عنهم. هنا يلتقي، دون أن يقصد ربما، مع فكرة عميقة لدى ألبير كامو ، أن الكرامة لا تقاس بما تربحه، بل بما ترفض أن تخسره من نفسك.

كان انسحابه يشبه بابا أغلق بهدوء في قصر صاخب، لم يسمعه الكثيرون في حينه، لكن صداه بقي يتردد طويلا. ومع مرور السنوات، كلما ازدادت السياسة صخبا وخشونة، بدا ذلك القرار أكثر غرابة، بل أكثر إشراقا. كأن الرجل ترك خلفه سؤالا معلقا لا يجد إجابة: هل يمكن للسياسة أن تكون نظيفة فعلا، أم أن من يحاول ذلك محكوم عليه أن يغادر مبكرا. واليوم، بينما تستعد فرنسا، بقيادة إيمانويل ماكرون، لوداعه في جنازة وطنية، لا يبدو المشهد مجرد رسميات، بل أشبه بمحاولة متأخرة لفهم رجل لم يكن يشبه زمنه تماما. رجل عبر السلطة دون أن يلتصق بها، ولم يتركها لأنها تركته، بل لأنه قرر أن يسبقها بخطوة.
هكذا يتحول جوسبان في الذاكرة إلى شيء أقرب إلى حكاية، لا بطل منتصر ولا مهزوم تقليدي، بل شخصية تمشي على حافة بين العقل والحلم، بين الممكن والأخلاقي، بين ما يجب أن يكون وما هو كائن. وربما لهذا السبب تحديدا، يبدو رحيله اليوم كأنه يوقظ سؤالا قديما نسيه الجميع، سؤالا بسيطا لكنه ثقيل: ماذا لو كانت الكلمة، فعلا، شرفا لا يحتمل المساومة.

