بقلم د. زكية لعروسي
ليست وردة غزة كتابا يقرأ، بل كائنا حيّا يصغي إليه القارئ كما يصغي إلى نبض خافت تحت الركام. أنطولوجيا لا تفتح صفحاتها بقدر ما تفتح جرحا جماليا، جرحا تتدفّق منه أصوات نساء فلسطينيات يكتبن من قلب الحصار، لا بوصفه خبرا عابرا، بل قدرا يوميا يعاد تشكيله شعريا، سطرا إثر سطر، وكأن اللغة آخر ما تبقّى لصدّ الحصار من التحوّل إلى صمت كامل. هذا الكتاب لا يقف على رف الانطولوجيات بوصفه عملا تميعيا، بل يتمدد ككائن جمالي مشتبك مع المصير، كدفتر أسود فتح فجأة في قلب العاصفة، وقرر أن يحول الحصار الى مادة شعرية لا تستجدي الشفقة، بل تعيد تعريف معنى الكتابة نفسه صدر هذا العمل مؤخرا عن دار النشر الإيطالية لي فلانور، حاملا عنوانا يفيض بالمفارقة: وردة تنبت في غزة، حيث لا يفترض للورد أن يعيش، وحيث تتحوّل الكتابة نفسها إلى فعل تحدّ بيولوجي، إلى تنفّس إضافي في رئة محاصرة. فالكتاب جاء باللغتين العربية والإيطالية، لا يعبر الحدود فحسب، بل يخلخلها، ويعيد توزيع الألم على خرائط جديدة
في هذه الأنطولوجيا، تجتمع نصوص عشر شاعرات من قطاع غزة، لا يكتبن عن الحصار من خارجه، بل من داخله، من غرف النزوح، ومن ظلال الفقد، ومن ذاكرة الأمهات اللواتي تعلّمن عدّ الأيام لا بالرزنامة بل بعدد الغارات. الأسماء: دنيا الأمل إسماعيل، نعمة حسن، ربى الشريف، شروق دغمش، سمر الغصين، مرح الخطيب، دعاء سعيد، رغد النعمي، نهار حسين، وفداء زياد. “لا يدخلن هذا الكتاب كأصوات فردية، بل كجوقة داخلية، تتعدد نبراتها دون أن تفقد وحدتها الوجودية.”. في نصوصهن، لا تتقدّم البلاغة بوصفها زينة، بل بوصفها وسيلة إنقاذ: “كما لو أن كل استعارة قارب نجاة، وكل صورة شعرية محاولة لترميم العالم.” تتحوّل غزة في هذه الكتابات من مكان محاصر إلى فضاء داخلي نابض، مدينة تسكن الجسد كما يسكن الجسد المدينة. تتحول فيها غزة من جغرافيا محاصرة إلى حالة نفسية شاملة، إلى فضاء داخلي يتكلم من خلال الجسد واللغة معا.
أشرف على إعداد هذه الانطولوجيا أليساندرو كانافالي، لوكا كراستولا، لوتشيا كوبيرتينو، في عمل تحريري يعبر الجغرافيا واللغة، ليمنح هذه الأصوات نافذة مفتوحة على العالم، ويعيد ترتيبها دون أن يطفئ خصوصيتها. وصدرت الطبعة بإشراف الدكتورة سناء درغموني، الأستاذ سيموني سبيليو، في حوار لغوي عميق بين العربية والإيطالية، حيث لا تكون الترجمة نقلا ميكانيكيا، بل إعادة ولادة للنص في جسد لغوي آخر. رسومات الفنانة فابيانا رينزو ترافق القصائد كما ترافق الظلال الأجساد، لا تشرحها ولا تزينها، بل تجاورها بصريا، وتضاعف صمتها البصري. أما ملحق الرسومات التي أنجزتها الطفلة ليان كمال الجعبري، فيجيء ككسر أخلاقي وجمالي في آن، حيث تتحول براءة الخط الى وثيقة، ويصبح الرسم الطفولي لغة موازية للشعر، والنجاة.. تقول ما تعجز عنه البلاغة.
يعلن العمل تخصيص عشرين في المائة من عائداته لمنظمة أطباء بلا حدود، في امتداد أخلاقي طبيعي للنص، ودعم جهودها الإغاثية في قطاع غزة. “لا يكفي أن نكتب الألم، بل علينا أن نساهم -ولو جزئيا- في مداواته.” هذه الأنطولوجيا ليست شعرية فحسب، بل بيان إنساني مكتوب بلغة النار والنجاة معا. لا تقدم غزة كأيقونة للمأساة، ولا النساء كضحايا نمطيين، بل بوصفهن ذواتا كاتبة، تمتلك اللغة وتعيد تشكيلها من داخل الجرح. وردة غزة ليست وردة للنظر والبهاء، بل وردة برية، تنمو في شقوق الخراب، وتتعلم أن تمشي على حافة الفناء دون أن تفقد عطرها. كتاب يضع الشعر في مواجهة الرماد، وينبثق منه لا منتصرا، بل حيا، وذلك وحده شكل نادر من أشكال المعجزة.
