بقلم د. زكية لعروسي
في أرشيف الأمم، لا تقاس الكلمات ببلاغتها، بل بوزنها القانوني. هناك، في سنة 1979، لم تكن الرسالة الموجّهة من حكومة الجمهورية الإسلامية الموريتانية إلى هيئة الأمم المتحدة مجرّد مراسلة دبلوماسية عابرة، بل كانت بيان تموضع استراتيجي، وإعادة تعريف دقيقة لحدود الدولة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. لقد أعلنت نواكشوط حيادها في نزاع الصحراء، وأكدت بوضوح احترام سيادتها وسلامة أراضيها داخل حدودها المعترف بها دوليا سنة 1960. قد يبدو النص، للوهلة الأولى، تقريريا وهادئا؛ غير أنّه في منطق الجغرافيا السياسية أشبه برسم خط في الرمل لا تمحوه الرياح.
في إفريقيا ما بعد الاستعمار، لم تكن الحدود خطوطا بريئة. كانت إرثا ثقيلا، رسمته خرائط القوى الاستعمارية ثم ورثته الدول الفتية باعتباره قاعدة الاستقرار الوحيدة الممكنة. من هنا جاء مبدأ احترام الحدود الموروثة عند الاستقلال (uti possidetis juris) كركيزة لمنع تفكك القارة إلى نزاعات لا تنتهي. حين تؤكد دولة تمسّكها بحدود سنة الاستقلال، فهي لا تستدعي الماضي حنينا، بل تستدعيه حصنا قانونيا. إنّها تقول للعال: “هنا يبدأ كياني، وهنا ينتهي. وما بينهما هو وطني، لا أكثر ولا أقل.” في هذا السياق، يصبح تأكيد موريتانيا على حدود 1960 إعلانا مزدوج الدلالة: أولا، تثبيت لسيادتها الكاملة على أراضيها ضمن الإطار المعترف به دوليا. وثانيا، نفي ضمني لأي امتداد خارج ذلك الإطار.
إنّ الدولة التي تطلب رسميا من الأمم المتحدة احترام حدودها كما كانت عند الاستقلال، إنما تغلق الباب أمام أي تأويل توسعي. فالقانون الدولي لا يعترف بالنوايا المضمرة، بل بالنصوص المعلنة. كانت سنة 1979 لحظة مفصلية في الإقليم المغاربي. الصحراء لم تكن مجرد امتداد رملي، بل عقدة توازنات بين دول الجوار، وساحة تنازع بين الشرعية التاريخية و الاعتبارات الجيوسياسية. اختارت موريتانيا آنذاك مسار الانسحاب من المعادلة الصدامية، وإعادة تعريف نفسها كدولة تركّز على استقرارها الداخلي وبناء مؤسساتها الوطنية. كان القرار، في جوهره، انتقالا من منطق “الانخراط في النزاع” إلى منطق “تحصين الدولة”.
إنّ من يقرأ الوثيقة اليوم بعيدا عن ضجيج السرديات، يدرك أن نواكشوط لم تترك مساحة للغموض. فهي لم تعلن حيادها فحسب، بل شددت على احترام حدودها المعترف بها دولياً سنة 1960. وهذا التحديد الزمني ليس تفصيلاً لغويا؛ بل هو إحالة مباشرة إلى اللحظة المؤسسة للسيادة. تطفو بين الحين والآخر مزاعم تتحدث عن مطالبة موريتانية بمدينة الكويرة. غير أن أي تحليل جيوسياسي جاد يبدأ من الوثائق الرسمية، لا من الانطباعات. إذا كانت الدولة نفسها قد أعلنت أمام المجتمع الدولي تمسّكها فقط بالحدود الموروثة عند الاستقلال، فإن منطق القانون الدولي يقتضي أن أي ادعاء خارج تلك الحدود يفتقر إلى السند المعلن. السيادة، في العلاقات الدولية، ليست رغبة عاطفية، بل موقفا موثقا. وهنا تتجلى قوة الوثيقة: ليست في حدّتها الخطابية، بل في وضوحها. إنها تحيل النقاش من ساحة الظن إلى ساحة النص.
الوطنية ليست تمددا بلا ضفاف، ولا ادعاء بلا حدود. الوطنية، في معناها العميق، هي وعي دقيق بحدود الذات كما هي، لا كما تشتهى. هي قدرة الدولة على أن تقول “هذا يكفيني”، حين يكون ذلك هو الضمان الوحيد للاستقرار. لقد اختارت موريتانيا، في لحظة تاريخية دقيقة، أن تكتب حدودها بالحبر الدولي، لا بالخطاب الانفعالي. أن تستند إلى الشرعية الأممية، لا إلى المزاج الإقليمي المتقلب. وفي هذا الاختيار تكمن روح دولة أدركت أن السيادة لا تقاس باتساع الخريطة، بل بصلابة الاعتراف بها. قد تبدو الصحراء، في ظاهرها، فضاء بلا علامات. غير أن من يعرفها يدرك أنها تحفظ الأثر أكثر مما يظن العابرون. كذلك هي الوثائق الدولية: تبدو أوراقا صامتة، لكنها تخزّن مواقف الدول لعقود. رسالة 1979 لم تكن مجرد إعلان حياد، بل كانت تثبيتا لمعادلة واضحة: موريتانيا دولة ضمن حدود 1960، لا تتجاوزها ولا تتنازل عنها. وفي زمن تختلط فيه الروايات بالانفعالات، يبقى النص الرسمي هو البوصلة. فالدول تبنى على الوثائق، لا على الشائعات. والسيادة تصان بالوضوح، لا بالغموض. وهكذا، بين الرمل .والقانون، كتبت نواكشوط موقفها: حدود معترف بها، وطن مكتمل، وسيادة لا تحتاج إلى صخب لتثبت نفسها
