بقلم المؤرخ والباحث في العلوم الإنسانية
ذ. محمد مريزيقى
يقولون لي إذا رأيت عبداً نائماً فلا تنبهه لعله يحلم بحريته،
وأنا أقول لهم إذا رأيت عبداً نائماً نبهته وحدثته عن الحرية
— جبران خليل جبران
فكرة الدفاع عن الحرية والكرامة الإنسانية تعتبر من الإشكاليات القديمة والمحورية والمعقدة التي عرفها الفكر الفلسفي، وتناولتها المعتقدات الدينية التي تشكل أساس الإيمان كأحد شروطها الأساسية، وتعاملت معها النظريات السياسية، بمختلف توجهاتها وأسسها ومراجعها، كحق أساسي من حقوق الإنسان، حق يشعر الفرد بأهمية دوره في مجتمعه، وبه تكتمل إنسانيته.
اختلف المفكرون والفلاسفة حول طريقة التعامل مع فكرة الحرية وكذا الجواب على إحدى الإشكاليات الكبيرة التي تطرحها: هل الإنسان حر أم مقيد؟
في هذا الصدد، اعتبر الفيلسوف اليوناني أرسطو (384–322 ق.م) أن الحرية شرط أساسي لتحمل الإنسان المسؤولية في أفعاله وأخلاقه، كما أكد على أهمية الحرية في بناء شخصية الإنسان، معتبراً أن الإنسان الحر هو الإنسان العاقل الذي يعتمد على إمكانيته في اختيار أفعاله دون أي تأثير.
أما الفيلسوف والناقد والكاتب السويسري جون جاك روسو، فهو من كتب أن الإنسان ولد حراً لكنه مقيد بأغلال العبودية في كل مكان. وفي موضوع استسلام وخضوع الإنسان للعبودية والظلم والاستبداد، أو ما يطلق عليه مفهوم “العبودية الطوعية”، يقول المفكر الفرنسي إتيان دو لا بويسي في كتابه العبودية الطوعية:
عندما يتعرض بلد ما لقمع طويل، تنشأ أجيال من الناس لا تحتاج إلى الحرية وتتواءم مع الاستبداد، ويظهر فيه ما يمكن أن نسميه المواطن المستقر.
أما السؤال الذي يرجحه المفكر دو لا بويسي فهو: كيف يقبل أناس بعبودية طوعية تلغي إنسانيتهم وتحط من كرامتهم؟
والحديث عن الحرية الدينية وحرية المعتقد وحرية الرأي يأتي اليوم على رأس الاهتمامات الفكرية والسياسية والحقوقية التي تناقش ضوابط هذه الحريات وتسعى لبناء الإطار القانوني والتشريعي الكافل بضمانها وحمايتها من كل أنواع الانتهاك والتقليص.
ومهما اختلفت الآراء والنظريات وتنوعت المعتقدات والمراجع السياسية والدينية، تبقى الحرية من الخصائص والسمات المميزة للمجتمعات المتحضرة التي تسود فيها العدالة الاجتماعية والمساواة بين الأفراد، وكحق من حقوق الإنسان، شرط أن لا ينسى حرية الآخرين وحقهم، كما أكد عليه أبراهام لينكولن بقوله:
من ينكر الحرية على الآخرين لا يستحقها لنفسه.
أجل، الحرية ليست مجرد كلمة عابرة أو مسألة أخلاقية، بل هي من شروط الكرامة الإنسانية، وبها تكتمل وتتقوى إنسانية الإنسان، وبفضلها يخرج الفرد من دوامة العبودية وتتحرر الشعوب من مخالب الاستعمار وبطش الدكتاتوريات.
السؤال الأهم مرتبط بكيفية ووسائل التحرر من قيود العبودية وبمشروعية الدفاع عن الحرية والكرامة. ويأتي الجواب من طرف المفكر والحقوقي جيمس بالدوين الذي يقول:
الحرية لا تُمنح وإنما يتم انتزاعها.
وخلاصة القول، إن الحرية، كقيمة عالية وقضية محورية، لا غنى عنها مهما كلفت عملية الدفاع عنها من جهود وتضحيات.
