الأوراق الاستراتيجية بين إيران والولايات المتحدة بعد اتفاق 14 يونيو 2026

بقلم: عبد الرحمن مكاوي, باحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية

منذ الإعلان عن الاتفاق الأمريكي-الإيراني في 14 يونيو 2026، برز سؤال محوري في الأوساط السياسية والعسكرية: هل فقدت إيران أهم أوراقها الاستراتيجية، أم أنها ما تزال تحتفظ بعناصر القوة التي مكّنتها طوال العقدين الماضيين من فرض نفسها لاعبا رئيسيا في معادلات الشرق الأوسط؟ تظهر القراءة الموضوعية للمعطيات المتاحة حتى نهاية يونيو 2026 أن الحديث عن “فقدان” هذه الأوراق لا يستند إلى مؤشرات حاسمة، بينما يبدو توصيف المرحلة بأنها مرحلة تآكل تدريجي للقيمة الاستراتيجية أكثر انسجاماً مع الوقائع. فواشنطن وتل أبيب لا تعملان على انتزاع أوراق القوة الإيرانية دفعة واحدة، بل على تقليص فعاليتها، ورفع كلفة استخدامها، وتحويلها من أدوات هجومية إلى أعباء دفاعية.

مضيق هرمز… الردع الذي يصعب استخدامه

ظل مضيق هرمز لعقود أبرز أدوات الردع الإيرانية، نظراً لما يمثله من أهمية حيوية لحركة الطاقة العالمية. ولا تزال إيران تمتلك القدرات العسكرية اللازمة لتعطيل الملاحة بصورة مؤقتة، اعتمادا على منظومة متكاملة من الصواريخ الساحلية، والألغام البحرية، والزوارق السريعة، والطائرات المسيّرة، في إطار عقيدة الحرب غير المتكافئة التي طورها الحرس الثوري. لكن هذه الورقة أصبحت اليوم أقل قابلية للاستخدام. فالوجود البحري الأمريكي المتزايد، وتطوير منظومات حماية الملاحة، والرسائل السياسية والعسكرية الواضحة بأن أي محاولة لإغلاق المضيق ستقابل برد واسع، كلها عوامل رفعت كلفة اللجوء إلى هذا الخيار. وفوق ذلك، تدرك طهران أن إغلاق المضيق لن يضر خصومها وحدهم، بل سيُلحق خسائر مباشرة بالاقتصاد الإيراني نفسه. ولهذا، يبقى مضيق هرمز ورقة ردع أكثر منه خيارا عمليا للاستخدام.

لبنان… عمق استراتيجي تحت الضغط

تعرضت شبكة النفوذ الإيرانية في لبنان وسوريا منذ أكتوبر 2023 لضغط عسكري غير مسبوق. فقد استهدفت إسرائيل بصورة متواصلة مراكز القيادة ومستودعات الأسلحة وشبكات الإمداد، كما تقلص هامش الحركة اللوجستية بين إيران وسوريا ولبنان مقارنة بالسنوات السابقة. ومع ذلك، فإن الحديث عن انهيار هذا المحور لا يجد ما يؤيده بالكامل. فما تزال البنية العسكرية والتنظيمية للحلفاء قائمة، وإن كانت تعمل في ظروف أكثر تعقيداً، بينما أصبحت عملية إعادة بناء القدرات واستدامتها أكثر كلفة وأبطأ زمنا. لقد انتقلت هذه الورقة من مرحلة توسيع النفوذ إلى مرحلة المحافظة عليه، وهو تحول يعكس طبيعة الضغوط الحالية أكثر مما يعكس نهاية الدور الإيراني في الساحة اللبنانية.

البرنامج النووي… ورقة المساومة الأساسية

يبقى البرنامج النووي الإيراني أهم عناصر القوة التفاوضية في يد طهران. فالمخزون المتراكم من اليورانيوم عالي التخصيب يمنح إيران قدرة ردع سياسية، ويضعها ضمن ما يعرف في الأدبيات الاستراتيجية بـ”دولة العتبة النووية”، دون أن يعني ذلك بالضرورة امتلاك سلاح نووي. وتسعى الولايات المتحدة إلى تقليص هذه الورقة عبر الجمع بين العقوبات الاقتصادية، وآليات الرقابة الدولية، والضغط الدبلوماسي، مع الإبقاء على الخيار العسكري الإسرائيلي كوسيلة ردع. لكن المؤشرات المتوافرة حتى الآن تدل على أن إيران لا تفاوض على مبدأ التخصيب بقدر ما تفاوض على مستواه وحدود الرقابة عليه، إدراكاً منها أن التخلي الكامل عن هذه الورقة يعني خسارة أهم أدواتها في أي تسوية مستقبلية.

مكاسب أمريكية… ولكنها ليست حاسمة

لا يمكن إنكار أن الولايات المتحدة حققت جملة من المكاسب منذ توقيع الاتفاق. فقد نجحت في تهدئة مستوى التصعيد العسكري، وأعادت الملف النووي إلى طاولة التفاوض، بينما واصلت العقوبات والضغوط الاقتصادية استنزاف الموارد الإيرانية ورفع كلفة الحفاظ على أدوات النفوذ الإقليمي. كما تستفيد واشنطن من عامل الزمن؛ فكل فترة هدوء تمنحها فرصة لتعزيز ترتيبات الردع الإقليمي وتقوية تحالفاتها، في حين تجد إيران نفسها مضطرة إلى تخصيص موارد أكبر للدفاع عن أوراقها بدلاً من توسيع نفوذها. لكن هذه المكاسب تبقى، حتى الآن، ذات طبيعة تكتيكية أكثر منها استراتيجية، لأنها لم تنجح في انتزاع عناصر القوة الأساسية من يد طهران.

بين الاستنزاف والصمود

المشهد الحالي لا يعكس انتصارا حاسما لأي من الطرفين، بل يعبر عن صراع طويل الأمد يقوم على إدارة الاستنزاف. فالولايات المتحدة وإسرائيل تعملان على تقليص فعالية أدوات القوة الإيرانية تدريجياً، بينما تراهن طهران على الصمود، وكسب الوقت، والحفاظ على الحد الأدنى من أوراقها الاستراتيجية إلى حين تغير الظروف الإقليمية أو الدولية. إنها معركة إرادات بقدر ما هي معركة قدرات، حيث لا يُقاس النجاح بالضربات العسكرية وحدها، بل بالقدرة على تحمل الضغوط والمحافظة على عناصر الردع.

حتى نهاية يونيو 2026، لا تشير المعطيات إلى أن إيران فقدت أوراقها الاستراتيجية الثلاث: مضيق هرمز، وشبكة النفوذ الإقليمي، والبرنامج النووي. غير أن هذه الأوراق لم تعد تمتلك الزخم نفسه الذي كانت تتمتع به قبل سنوات، إذ أصبحت أكثر كلفة في الاستخدام وأكثر عرضة للضغط والاستنزاف. وعليه، فإن توصيف المرحلة بأنها مرحلة تآكل للأوراق الاستراتيجية وليس فقدانها يبدو الأقرب إلى الواقع. أما الحديث عن تحول دائم في ميزان القوى لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل، فلا يزال رهناً بتطورات لم تتحقق بعد، وفي مقدمتها تسوية نووية شاملة، وتحولات جوهرية في بنية النفوذ الإيراني الإقليمي، وهي أهداف ما تزال بعيدة المنال في المدى المنظور.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *