بقلم زكية لعروسي, باريس
ثمة وثائق تقرأ بميزان القوى الذي أنجبها. وثمة مخطوطات لا تحفظ في الأرشيف لأنها قديمة، بل لأنها ما تزال تتنفس داخل الحاضر، وتهمس لمن يعرف لغة التاريخ بأن الأمم الكبرى هي بعدد القواعد التي فرضتها على العالم. معاهدة السلام والتجارة المبرمة سنة 1682 بين السلطان المولى إسماعيل و”الاصطاطوس” – وهو التعريب المغربي القديم لكلمة Staten-Generaal، أي مجلس الولايات العامة للجمهورية الهولندية – ليست مجرد اتفاق دبلوماسي بين دولتين متباعدتين جغرافيا، بل هي لحظة نادرة التقت فيها حضارتان على طاولة القانون بدل فوهة المدافع، واجتمع فيها سلطان مغربي يحكم من مكناس مع إحدى أعظم القوى البحرية الصاعدة في أوروبا.
إن الوثيقة، في ظاهرها، معاهدة سلام وتجارة، لكنها في عمقها إعلان عن دخول المغرب إلى المسرح الدولي لاعبا كامل السيادة، لا تابعا، ولا مجرد شريك تجاري، بل دولة تفاوض من موقع الندية. ذلك أن القرن السابع عشر لم يكن عصرا عاديا في تاريخ العالم. كانت الإمبراطوريات البحرية الأوروبية تخرج من عباءة الاكتشافات الكبرى لتدخل زمن السيطرة على البحار، وكانت هولندا قد أصبحت القوة التجارية الأولى عالميا، بعد أن حوّلت البحر إلى طريق للثروة، والسفن إلى عواصم عائمة، والموانئ إلى مراكز لإنتاج النفوذ. وفي الجهة الأخرى من المتوسط، لم يكن المغرب دولة منكفئة على نفسها كما تحاول بعض القراءات الاستشراقية أن توحي، بل كان دولة تدرك أن من يملك البحر، يملك مفاتيح السياسة. ولذلك، لم يكن المولى إسماعيل ينظر إلى البحر باعتباره حدودا جغرافية، وإنما باعتباره فضاء للسيادة.

إن قراءة بنود المعاهدة تكشف عقلا سياسيا سبق عصره. فالوثيقة تبدأ بالبسملة والحمدلة والصلاة على النبي، في مشهد يبدو لأول وهلة دينيا محضا، غير أن المتأمل يكتشف أن هذه المقدمة ليست مجرد افتتاحية بلاغية، بل إعلان فلسفي عن مصدر الشرعية. فالسيادة، في التصور المغربي، لا تنبع من القوة وحدها، بل من العدل. ولذلك يأتي أول شرط ليؤسس لسلام دائم، لا لهدنة مؤقتة، ثم تتوالى البنود لتؤكد حماية السفن، وتأمين التجارة، وصيانة الأرواح والأموال، وتنظيم القضاء، وتبادل الأسرى، ومنع إيواء أعداء الطرف الآخر. إنها، بلغة القرن الحادي والعشرين، منظومة متكاملة للأمن البحري والقانون التجاري الدولي.
والمدهش أن هذه المبادئ سبقت بكثير ما سيصبح لاحقا جزءا من القانون الدولي الحديث. لقد فهم المغرب، مبكرا، أن التجارة ليست مجرد تبادل للبضائع، بل تبادل للثقة. وأن السفينة التي تخاف لا تبحر. وأن التاجر الذي لا يشعر بالأمان لا يصنع الازدهار. ولهذا لم تكن حماية السفن بندا تقنيا، بل كانت فلسفة سياسية كاملة. فمن يضمن أمن البحر، يضمن تدفق الثروة. ومن يضمن الثروة، يضمن الاستقرار. ومن يضمن الاستقرار، يضمن استمرار الدولة. هكذا كان يفكر المغرب. ولم يكن اختيار هولندا اعتباطيا. فالجمهورية الهولندية آنذاك لم تكن مجرد دولة أوروبية، بل كانت المختبر الأول للرأسمالية التجارية الحديثة. كانت تملك أكبر أسطول تجاري في العالم، وأضخم شركات الملاحة، وأوسع شبكات التأمين والتمويل. وكان المغرب يعلم أن من ينسج علاقة مستقرة مع أمستردام، إنما يفتح نافذة على الاقتصاد العالمي. إنها براغماتية الدولة الواثقة من نفسها. ولذلك فإن كلمة “الاصطاطوس” ليست مجرد تعريب لغوي، بل دليل حضاري على قدرة الدبلوماسية المغربية على استيعاب المؤسسات الأجنبية وإعادة إنتاجها داخل قاموسها السياسي.
فالدول العظيمة لا تترجم الكلمات فقط، بل تترجم الأنظمة. ومن هنا تتجلى عبقرية المخزن المغربي. فقد كان يمارس دبلوماسية متعددة المستويات قبل أن تظهر نظريات العلاقات الدولية بقرون. كان يتفاوض بالقوة حين تقتضي الضرورة. ويتفاوض بالقانون حين تسمح المصلحة. ويستخدم التجارة باعتبارها أداة للسيادة لا مجرد مورد للجباية. لقد أدرك المولى إسماعيل أن المدافع قد تحمي الموانئ، لكنها لا تملؤها بالسفن. أما المعاهدات، فهي التي تجعل البحر طريقا للحياة بدل أن يكون مسرحا للحروب. وهنا تكمن فرادة التجربة المغربية. فالدبلوماسية المغربية لم تبن على منطق الغلبة وحده، بل على مزيج نادر من الهيبة والانفتاح. كانت تعرف كيف تقاتل، لكنها كانت تعرف أيضا متى توقّع. وهذه هي الحكمة التي تصنع الدول الطويلة العمر. ولعل أعظم درس تمنحه لنا هذه الوثيقة ليس أنها تثبت عراقة العلاقات المغربية الهولندية، بل إنها تكشف أن المغرب كان، منذ القرن السابع عشر، يفكر بمنطق الدولة البحرية الحديثة. كان يدرك أن الأمن والاقتصاد والدبلوماسية ليست عوالم منفصلة، بل أضلاع مثلث واحد. ومن يملك هذا الفهم، يملك المستقبل.
واليوم، ونحن نستعيد هذه الوثيقة، لا ينبغي أن نقرأها بوصفها أثرا من الماضي، بل بوصفها مرآة للحاضر. فالعالم الذي يتحدث اليوم عن الأمن البحري، وسلاسل الإمداد، وحرية الملاحة، والتكامل الاقتصادي، يعيد، بعبارات جديدة، اكتشاف المبادئ التي صاغها المغرب في وثيقة عمرها أكثر من ثلاثة قرون. إن الأمم لا تصبح عظيمة لأنها تملك ذاكرة طويلة فحسب، بل لأنها تعرف كيف تحوّل تلك الذاكرة إلى مشروع للمستقبل. ولهذا، فإن معاهدة 1682 ليست صفحة صفراء في أرشيف التاريخ. إنها رسالة لا تزال مختومة بخاتم المولى إسماعيل، تقول للأجيال إن المغرب لم يكن يوما على هامش التاريخ، بل كان، في كثير من محطاته، أحد الذين كتبوا قواعده.
📲 Partager sur WhatsApp