المملكة التي لا يعترف بها إلا المتعبون

بقلم زكية لعروسي, باريس

كان الجاحظ يرى أن الإنسان يعرف من طباعه في نومه ما لا يعرفه في يقظته، بينما كان أبو العلاء المعري يراقب الليل كما يراقب الفيلسوف مرآة عمره، حتى بدا النوم عنده سؤالا وجوديا أكثر منه حاجة بيولوجية. أما أرسطو فعده استراحة للطبيعة، في حين وصفه شكسبير بأنه “البلسم الذي يداوي العقل المكدود”. وحدهم أهل العصر الحديث قرروا أن يحولوا النوم إلى ترف، وإلى رفاهية قد تؤجل من أجل مباراة كرة قدم، أو اجتماع عمل، أو شاشة هاتف لا تنام. لقد دخل الإنسان القرن الحادي والعشرين وهو يربح الوقت، لكنه يخسر الليل.

في زمن الحر الشديد، تصبح الغرفة صندوقا من اللهب، ويتحول السرير إلى قطعة من صيف لا تنطفئ نيرانه، ثم تأتي كرة القدم لتعلن انقلابا آخر على الساعة البيولوجية، فيصبح الليل ملعبا، وتصبح الأعين جماهير، بينما يبقى الدماغ اللاعب الوحيد الذي يخسر كل المباريات. ولعل أكثر ما يثير الدهشة أن الإنسان وحده من بين المخلوقات يفاخر بحرمان نفسه من النوم، وكأن الإرهاق وسام، والسهر بطولة، والهالات السوداء شهادة كفاءة مهنية. أما الجسد، فإنه لا يصفق لهذا الجنون، بل يكتب احتجاجه بصمت؛ في القلب، وفي الأعصاب، وفي الذاكرة، وفي المناعة، وفي المزاج الذي يتحول إلى غيمة لا تعرف المطر.

كان الفلاسفة يقولون إن النوم هو الشقيق الأصغر للموت، لكن الطب الحديث قلب العبارة رأسا على عقب؛ فالنوم ليس شقيق الموت، بل شقيق الحياة. من يسرق منه ساعة، يسرق من عمره ما لا يراه بالعين. وليس غريبا أن الحضارات القديمة كانت تنظر إلى الليل باعتباره مملكة لها قوانينها الخاصة. ففي الأساطير الإغريقية كان إله النوم يعبر فوق البشر بخفة النسيم، وفي التراث العربي كان الليل مجلس الشعراء والمتصوفة، لكنه أيضا موعد الراحة التي يستعيد فيها الإنسان توازنه مع الكون. أما اليوم، فقد أصبح الليل شركة تعمل أربعاً وعشرين ساعة، لا تعرف الإجازات. الإشعارات تطرق الأبواب، والهواتف تبتلع الساعات، والشاشات تسرق هرمون النوم كما يسرق اللص الضوء من نافذة مهجورة.

إن أخطر ما في قلة النوم ليس التعب، بل الوهم الذي يصاحبها؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يعتقد أنه ما زال بكامل تركيزه، بينما يكون عقله قد بدأ يطفئ أنواره غرفة بعد أخرى، مثل قصر قديم يغادره سكانه في صمت. وما بين حرارة الصيف، وضجيج الملاعب، وإدمان الشاشات، يقف الإنسان المعاصر كمن يفاوض الليل على دقائق إضافية، ناسيا أن الليل لا يقبل المساومة. ربما كان أبو العلاء أكثر حكمة منا جميعا حين كتب أن الليل طويل، لكنه لم يكن يقصد عدد ساعاته، بل ثقل الأسئلة التي يحملها. أما نحن فقد جعلناه طويلا لأنه صار بلا نوم. ولعل أعظم ثروة في هذا العصر ليست المال ولا الشهرة ولا المناصب، بل أن تضع رأسك على الوسادة، وتغلق عينيك، فتأتيك النعمة التي لا تستطيع كل بنوك العالم شراءها… نوم هادئ، لا يوقظه حر، ولا مباراة، ولا هاتف ذكي يعتقد أن الكون سينهار إن لم يرسل إليك إشعارا عند الثالثة صباحا.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *