مواليد الصحراء في زمن الإدارة الإسبانية؟

بقلم: عبد الرحمن مكاوي, باحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية-باريس

في لحظة سياسية وقانونية تتجاوز حدود الإجراء البرلماني المعتاد، تقدمت الحكومة الإسبانية بطلب رسمي إلى رئاسة مجلس النواب لعقد دورات استثنائية من أجل دراسة ومناقشة مقترح قانون يمنح الجنسية الإسبانية للأشخاص الذين ولدوا في الصحراء خلال فترة الإدارة الإسبانية للإقليم. ورغم أن الخطوة لا تعني إقرار القانون، فإنها تمثل مؤشرا سياسيا بالغ الدلالة على أن ملفا ظل لعقود حبيس الذاكرة الاستعمارية بدأ يجد طريقه إلى قلب النقاش المؤسساتي في مدريد.

هذا التطور لا يمكن قراءته باعتباره مجرد تعديل تشريعي يتعلق بقواعد اكتساب الجنسية، بل يندرج ضمن نقاش أوسع يرتبط بمسؤولية الدول عن إرثها التاريخي، وبكيفية تعامل الديمقراطيات الحديثة مع القضايا التي خلفتها الحقبة الاستعمارية. فالصحراء، التي ظلت تحت الإدارة الإسبانية حتى عام 1975، ليست مجرد محطة في التاريخ السياسي لإسبانيا، بل جزء من ذاكرة قانونية وإنسانية معقدة. وخلال تلك المرحلة، ولد آلاف الأشخاص وهم يحملون وثائق وإثباتات صادرة عن الإدارة الإسبانية، قبل أن يجدوا أنفسهم أمام واقع قانوني جديد بعد انتهاء الوجود الإسباني في الإقليم.

ويأتي مقترح القانون ليعيد طرح سؤال جوهري: هل تترتب على الإدارة السابقة مسؤوليات قانونية أو أخلاقية تبرر منح الجنسية لفئة محددة من الأشخاص؟ هذا السؤال لا يخص إسبانيا وحدها، بل يلامس نقاشا أوروبيا ودوليا حول علاقة الدول الاستعمارية السابقة بسكان الأقاليم التي كانت خاضعة لإدارتها. وفي حال مضى المشروع عبر المسار التشريعي وحصل على الأغلبية البرلمانية، فإن انعكاساته لن تكون قانونية فقط، بل ستطال الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية، إذ قد يفتح الباب أمام آلاف المستفيدين المحتملين للاستفادة من الحقوق التي تمنحها الجنسية الإسبانية، بما في ذلك حرية التنقل داخل الاتحاد الأوروبي، والحقوق المدنية، وإمكانية الولوج إلى عدد من الخدمات والمؤسسات.

غير أن الطريق التشريعي ما يزال مفتوحا على جميع الاحتمالات. فطلب الحكومة عقد جلسات استثنائية لا يمثل سوى بداية المسار، بينما يبقى الحسم رهينا بالمناقشات البرلمانية، والتعديلات المحتملة، ثم التصويت النهائي داخل المؤسسة التشريعية. سياسيا، تعكس المبادرة استعدادا من الحكومة الإسبانية لفتح ملفات تاريخية ظلت لسنوات بعيدة عن أولويات النقاش الرسمي. أما قانونيا، فإنها تضع البرلمان أمام اختبار دقيق لتحقيق التوازن بين مبادئ العدالة التاريخية ومتطلبات النظام الدستوري الإسباني.

ويبقى المؤكد أن مجرد انتقال هذا الملف من دائرة النقاش الأكاديمي والسياسي إلى طاولة البرلمان يمثل حدثا يستحق المتابعة، لأنه يعكس تحولا في طريقة تعامل الدولة الإسبانية مع أحد أكثر فصول تاريخها الاستعماري حساسية، دون أن يعني ذلك مسبقا إقرار القانون أو تحديد نتائجه النهائية. إن الدول الكبرى لا تقاس فقط بقوة اقتصادها أو نفوذها السياسي، بل أيضا بقدرتها على مواجهة تاريخها بشجاعة، وتحويل الذاكرة إلى أفق للعدالة، والقانون إلى جسر للمصالحة مع الماضي. ومن هذا المنظور، فإن المبادرة الإسبانية تفتح نقاشا يتجاوز حدود الجنسية، ليطرح سؤالا أعمق حول معنى المسؤولية التاريخية في القرن الحادي والعشرين.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *