هارون الرشيد في مرآة المؤرخين

الفصل الأوّل: الرجل الذي أخفته شهرته

بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء

هناك شخصيات لا يظلمها أعداؤها بقدر ما يظلمها إعجاب الناس بها. ذلك أنّ الشهرة ليست دائما طريقا إلى المعرفة، بل قد تكون، في كثير من الأحيان، حجابا كثيفا يحول دون رؤية الحقيقة. وكلّما ازداد بريق الشخصية، ازدادت طبقات الخيال التي تتراكم فوقها، حتى يصبح الوصول إلى وجهها الأول أشبه بمحاولة العثور على مدينة دفنتها الرمال عبر القرون. ولعل هارون الرشيد هو أكثر خلفاء الإسلام تعرضا لهذا المصير. فكلّما يذكر اسمه إلا ويستيقظ في الذاكرة قصر منيف، وستائر من الديباج، وجوار يعزفن على العود، ووزير اسمه جعفر البرمكي، وسيّاف يدعى مسرور، وخليفة يخرج ليلا متنكّرا يجوب أسواق بغداد بحثا عن حكاية جديدة. حتى ليخيّل إلى القارئ أن الرجل لم يعرف في حياته سوى اللّيل، ولم يسكن إلاّ الحكايات.

غير أن المؤرّخ، حين يفتح دفاتره القديمة، لا يعثر على هذا المشهد. يعثر على رجل آخر. رجل يقف في قلب واحدة من أعظم الإمبراطوريات في العصر الوسيط، يحمل فوق كتفيه أعباء دولة تمتد من تخوم آسيا الوسطى إلى سواحل البحر المتوسط، وتخضع لسلطانها أمم متعددة، وألسنة مختلفة، وثقافات متباينة. رجل لا يقيس أيّامه بعدد مجالس الطرب، بل بعدد الرسائل التي ترد من الولايات، والجيوش التي تتحرّك على الثّغور، والوفود التي تعبر أبواب بغداد، والفقهاء الذين يتناظرون في مجلسه، والقضاة الذين يحتكم إليهم الناس في أطراف الدولة.

ولد هارون بن محمد المهدي سنة 149 للهجرة، في بيت لم يعرف الهامش قط، بل ولد في قلب السلطة العباسية وهي في ذروة صعودها. وكان جده أبو جعفر المنصور هو المؤسس الحقيقي للدولة العباسية، أما أبوه محمد المهدي فقد ورث دولة مستقرة، وسعى إلى ترسيخ هيبتها، بينما اضطلعت أمّه الخيزران بدور سياسي مؤثّر، حتّى غدت من أبرز النساء حضورا في تاريخ الدّولة العباسية. لم يكن الرشيد إذن رجلا صعد إلى الحكم بالمصادفة، بل نشأ منذ طفولته في مدرسة الدّولة، حيث تعلم القرآن، والحديث، واللغة، والفقه، إلى جانب الفروسية وقيادة الجند وآداب السياسة. ولم يكن إعداد الخليفة في ذلك العصر مجرد تعليم، بل كان صناعة متكاملة، لأن الرجل الذي سيجلس على عرش بغداد لن يحكم مدينة، بل سيحكم عالما واسعا تتشابك فيه المصالح والأديان والأعراق.

وحين تولى الخلافة سنة 170 للهجرة، كانت الدولة العباسية قد بلغت مرحلة من النضج الإداري والحضاري جعلت بغداد أعظم مدن العالم الإسلامي، بل واحدة من أعظم مدن العالم كله. كانت المدينة مركزا للتجارة، والعلم، والترجمة، والصناعة، والفكر، ومنها كانت تنطلق القوافل، وإليها كانت تفد البضائع من الهند والصين، كما كانت تستقبل العلماء من مختلف الأقاليم. وفي هذا العالم المعقد، يظهر هارون الرشيد في المصادر التاريخية حاكما منشغلا بإدارة الدولة أكثر من انشغاله بصناعة الأساطير.

يقدمه محمد بن جرير الطبري في سياق أخبار السياسة، والحملات العسكرية، وتعيين الولاة، وتقلبات الحكم، بينما يعرض ابن الأثير كثيرا من أخباره في الإطار نفسه، مع اهتمام بأحداث عصره ونتائجها. أما كتب التراجم، ومنها شذرات الذهب، فتورد إلى جانب ذلك أخبارا عن تدينه، ومجالسته للعلماء، وما روي عن حجّه وغزوه، مع اختلاف الروايات في بعض التفاصيل، كما هو مألوف في كتب الأخبار. وهنا ينبغي التوقف أمام مسألة منهجية يغفل عنها كثير من القراء. فالمؤرخون المسلمون لم يكونوا يكتبون سيرا نفسية بالمعنى الحديث، ولم يكن همّهم أن يرسموا لنا صورة داخلية متكاملة لشخصية الخليفة، وإنما كانوا يؤرخون للأحداث، ويجمعون الروايات، ويثبتون ما بلغهم بأسانيد مختلفة. ولهذا، فإن صورة هارون الرشيد في كتب التاريخ ليست صورة قديس منزوع من نوازع البشر، كما أنها ليست صورة الخليفة اللاهي الذي سيعرفه الأدب لاحقا. إنها صورة رجل دولة، تتجاور فيها القوة مع الرحمة، والسياسة مع التدين، والحزم مع مقتضيات الحكم.

بل إن الباحث المعاصر، إذا قرأ تلك المصادر بعين نقدية، سيكتشف أن الرشيد كان ابنا لعصره، يحمل فضائل ذلك العصر وتناقضاته في آن واحد. فلم يكن ملاكا، كما لم يكن الشخصية الكاريكاتورية التي رسمها الخيال الشعبي. كان إنسانا يحكم إمبراطورية، والإنسان، مهما علا مقامه، يظل أسير شروط زمانه ومحدودية تجربته. ولعل أكثر ما يلفت النظر أن كتب التاريخ لا تجعل من حياة الرشيد الخاصة محور اهتمامها. فهي لا تتوقف طويلا عند تفاصيل يومه، ولا عند مجالسه الخاصة، إلا بقدر ما يخدم الخبر أو يفسر حدثا سياسيا. أما التفاصيل الصغيرة التي يعشقها الأدب، فقد بقيت خارج عدسة المؤرخ، لأنها لم تكن جزءا من رسالته.

وهنا، بالتحديد، يبدأ الفراغ. وكل فراغ في التاريخ هو دعوة مفتوحة للخيال. فالوقائع تملأ ما تعرفه الوثيقة، أما ما تتركه الوثيقة صامتا، فإن الحكاية تتقدم لتسكنه. ومن ذلك الصمت ولد هارون الرشيد الآخر. ليس الخليفة الذي عرفه الطبري وابن الأثير، بل الخليفة الذي ستعيد شهرزاد تشكيله، قطعة قطعة، حتى يصبح أشهر من صاحبه، وأبقى في ذاكرة العالم من كل ما سجلته كتب التاريخ. وهكذا، لم يكن التاريخ عاجزا عن تقديم هارون الرشيد، وإنما كان وفيا لطبيعته. أما الأدب، فلم يكن خائنا للتاريخ، بل كان وفيا لقانون آخر، قانون يرى أن الإنسان لا يكتمل بالحوادث التي عاشها، وإنما أيضا بالأحلام التي نسجتها الأجيال من حوله. ومن هذه النقطة بالذات، تبدأ الرحلة الكبرى: رحلة انتقال هارون الرشيد من صفحات المؤرخين إلى مملكة الحكاية، حيث لا تعود الوقائع هي التي تصنع الخلود، بل الخيال.

يتبع….

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *