بقلم زكية لعروسي مديرة جريدة الورقاء-باريس
أخطر الحروب تلك التي تبدأ بكلمة. فالكلمة، حين تخرج من فم رجل عادي، تمضي مع الريح. أما حين تخرج من فم من يحتكر القرار، ويجمع في قبضته الدين والدولة والسلاح، فإنها لا تعود مجرد عبارة، وإنما تتحول إلى قدر يمشي على قدمين. لهذا لم يكن أكثر ما استوقف المراقبين في الرسالة الأخيرة للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي هو الوعد بالانتقام لوالده، وإنما الطريقة التي ارتفع بها الانتقام من مرتبة الانفعال الإنساني إلى مرتبة العقيدة السياسية. كان يمكن للرجل أن يقول إن بلاده سترد. كان يمكن أن يتحدث عن الدفاع المشروع. كان يمكن أن يترك الباب مواربا أمام السياسة. لكنه اختار لفظا آخر. اختار أن يجعل الانتقام «حتمية».وهنا يبدأ الخطر. فالانتقام، في الفلسفة السياسية، ليس قرارا عسكريا فحسب، بل هو إعلان عن إعادة ترتيب الزمن نفسه. إذ يصبح المستقبل أسير الماضي، وتصبح الدولة رهينة دم لم يجف بعد، ويغدو التاريخ سجنا لا تستطيع السياسة أن تغادره.
وليس غريبا أن نجد في كتب التاريخ الإسلامي إشارات متكررة إلى الكيفية التي يتحول بها الدّم إلى قوة مؤسسة للدولة. فالطبري، وابن الأثير، وغيرهما من كبار المؤرخين، لا يكتبون التاريخ باعتباره سلسلة وقائع فقط، وإنما باعتباره سلسلة من الثارات التي كانت تعيد تشكيل السلطان كلّما سال دم خليفة، أو أمير، أو قائد جيش. لم يكن الدم في تلك الروايات نهاية الحكاية، بل بدايتها. وكانت الدول التي تجعل من الثأر أساسا للشرعية تكتشف، بعد زمن، أن الثأر لا يعرف لحظة الاكتفاء؛ لأنه كلما اقتص من خصم، ولد خصما جديدا. والشهرستاني، وهو يرصد انقسام الفرق الإسلامية، يكشف بصورة غير مباشرة كيف تتحول المظلومية، حين تستقر في الوعي الجمعي، إلى عقيدة سياسية تنتقل من جيل إلى جيل. فالمظلومية لا تبقى مجرد ذكرى، بل تصبح إطارا يفسر العالم كله، ويحدد الصديق والعدو، ويمنح السلطة لغة تعبئة لا تنضب.
من هنا، فإن المسألة الإيرانية اليوم ليست مسألة رجل يريد الثأر لأبيه. إنها مسألة دولة قد تجعل من الثأر أحد مصادر شرعيتها. وهنا يبرز السؤال الفلسفي الكبير: هل يجوز للدولة أن تعلن الانتقام؟ لقد ميز كبار فلاسفة السياسة بين العدالة والانتقام. فالعدالة تنتمي إلى القانون. أما الانتقام فينتمي إلى العاطفة. العدالة تبحث عن استعادة التوازن. أما الانتقام فيبحث عن إشباع الذاكرة الجريحة. وحين تخلط الدولة بين الاثنين، يتحول القانون إلى شعور، وتتحول المؤسسات إلى امتداد للغضب. لهذا كانت الدول الحديثة تتجنب استعمال مفردة «الانتقام» في بياناتها الرسمية، حتى عندما تخوض أكثر الحروب قسوة. تتحدث عن الدفاع. عن الرد. عن حماية الأمن القومي. أما الانتقام، فيظل لفظا يخص الأفراد أكثر مما يخص الدول.
لكن إيران تقدم اليوم صورة مختلفة. إنها لا تقدم الانتقام باعتباره انفعالا عابرا، وإنما باعتباره لغة سياسية كاملة، قابلة لأن تتحول إلى استراتيجية حكم. غير أن التاريخ يحمل مفارقة لا تقل أهمية. فكل دولة جعلت من الذاكرة وقودا دائما لسياستها، اكتشفت في النهاية أن الذاكرة لا تبني المستقبل وحدها. لقد بنت الإمبراطوريات العظيمة مجدها حين أحسنت إدارة القوة، لا حين أحسنت إدارة الغضب. فالانتقام قد يربح معركة. لكنه نادرا ما يصنع سلاما. وقد يوحد الداخل مؤقتا. لكنه يضيق هامش السياسة، لأن من يعلن أن الثأر حتمي، يجعل التراجع عنه هزيمة أخلاقية قبل أن يكون هزيمة سياسية. وهنا يكمن المأزق الحقيقي. ليس السؤال: هل تستطيع إيران أن تنتقم؟ بل السؤال: ماذا سيحدث إذا أصبحت الدولة نفسها أسيرة وعد أعلنته أمام شعبها والعالم؟
فالوعود السياسية يمكن تعديلها. أما الوعود التي ترتدي لباس القداسة، فإنّها تتحول إلى قيود تكبّل أصحابها. ولعلّ أخطر ما في تصريح مجتبى خامنئي أنّه لم يخاطب خصومه فقط. لقد خاطب التاريخ. وأدخل الجمهورية الإسلامية في امتحان بالغ القسوة: إمّا أن تترجم الوعد إلى فعل، مع ما يحمله ذلك من مخاطر التصعيد، وإمّا أن تترك الوعد معلقا، فتواجه سؤالا عن حدود القوة وحدود العقيدة. وهكذا، فإنّ القضية لم تعد قضية اغتيال مرشد، ولا قضية صراع بين طهران وواشنطن، بل أصبحت سؤالا أعمق يتعلق بطبيعة الدولة نفسها. هل تبنى الدول على القانون أم على الذاكرة؟ وهل يحق للسياسة أن تتكلّم بلغة الثأر، أم أن لحظة إعلان الانتقام هي اللحظة التي تبدأ فيها السياسة بالتخلي عن نفسها، لتفسح المجال للتاريخ كي يحكم الحاضر؟
📲 Partager sur WhatsApp
تحليل رصين عن العلاقة بين الدولة كمؤسسة و “أنا” الحاكم الذي تتحول السياسة لديه من التدبير إلى التجييش و الرغبة الجامحة في تدمير المختلف بدون استشراف العواقب خصوصا عندما تختلط الرؤى و تتحول المواقف المبنية على العواطف إلى أفعال دون أهداف محددة. المهم هو إراقة الدماء.
هذا التوجه يجد صداه في الدولة المبنية على الرأي الواحد و الحزب الواحد… أي تلك التي تنعدم فيها الديموقراطية ويسود فيها الفكر الديني المتطرف.