الثقافة كدبلوماسية: منطق الإشراك لا الإقصاء

بقلم الإعلامي حيمري البشير, كوبنهاكن- الدنمارك

في عصر لم تعد فيه العلاقات الدولية تدار خلف الأبواب المغلقة وحدها، أصبحت قوة الدول بقدرتها على تعبئة رأسمالها الثقافي والفكري والإنساني. تعدّ الاحتفالات الوطنية التي تنظمها البعثات الدبلوماسية في الخارج أكثر من مجرد مناسبات بروتوكولية؛ فهي لحظات رمزية تتجدد فيها أواصر الانتماء، ويتجسد فيها الرابط المعنوي بين الدولة وأبنائها المقيمين خارج الوطن. ومن ثمّ، فإنّ نجاح هذه المناسبات هو بقدرتها على احتضان مختلف الطاقات الوطنية التي جعلت من الدفاع عن الوطن رسالة يومية، لا مجرد حضور موسمي.

فالدبلوماسية الحديثة لم تعد وظيفة المؤسسات الرسمية فحسب، بل غدت منظومة متكاملة تشارك فيها الجامعات، ووسائل الإعلام، والمراكز البحثية، والجمعيات المدنية، والمثقفون، والفنانون، وكل من يساهم في بناء صورة الوطن وصيانة مكانته. ومن هنا، لم يعد حضور النخب الفكرية والثقافية والإعلامية في الفضاء الدبلوماسي مجرد تقليد بروتوكولي، بل أصبح تعبيرا عن وعي الدولة بأنّ الدفاع عن المصالح الوطنية مسؤولية جماعية، وأن الثقافة ليست نشاطا هامشيا، بل إحدى أكثر أدوات التأثير فاعلية في القرن الحادي والعشرين.

ومن هذا المنطلق، يصبح حضور المثقفين والباحثين والإعلاميين والفاعلين الجمعويين في المناسبات الوطنية التي تنظمها البعثات الدبلوماسية بالخارج أمرا يتجاوز المجاملة الاجتماعية، ليغدو اعترافا بدورهم كشركاء في خدمة الوطن. فهؤلاء لا يمثلون أنفسهم فقط، وإنّما يمثلون رأسمالا معرفيا ورمزيا راكمته الجالية المغربية عبر سنوات من الحضور والإنتاج والترافع.

لقد أدركت كبريات الدول أنّ معارك اليوم لا تحسم فقط بالمواقف السياسية، وإنما تكسب أيضا داخل الجامعات، وصفحات الجرائد، وشاشات الإعلام، والندوات الفكرية، ومراكز صناعة الرأي. لذلك جعلت من مثقفيها وباحثيها وإعلامييها سفراء غير رسميين، يحملون خطابا يتجاوز اللغة الدبلوماسية التقليدية إلى لغة المعرفة والإقناع والحوار. وفي هذا السياق، تبدو الاحتفالات الوطنية التي تنظمها البعثات الدبلوماسية في الخارج مناسبة تتجاوز بعدها الاحتفالي. فهي، في جوهرها، رسالة سياسية وثقافية وأخلاقية مفادها أن الوطن يتسع لجميع أبنائه، وأنّ كلّ من يساهم في الدّفاع عن قضاياه، كلّ من موقعه، هو جزء من صورته في الخارج.

وليس من المبالغة القول إنّ الجاليات المغربية راكمت خلال العقود الماضية رصيدا مهما من الكفاءات العلمية والإعلامية والثقافية، التي لم تكتف بالحفاظ على ارتباطها بالوطن، بل جعلت من الدفاع عن مصالحه قضية شخصية، تتابع ما يكتب وما يقال، وتناقش، وتصحح، وتوضح، وتواجه المغالطات بالحجة والوثيقة والخطاب الرصين. وفي زمن تتزايد فيه الحملات الإعلامية، وتتقاطع فيه السرديات المتنافسة حول القضايا الوطنية، تصبح هذه الطاقات الوطنية امتدادا طبيعيا للعمل الدبلوماسي، لا منافسا له. فكل مقال مسؤول، وكل دراسة موثقة، وكل ندوة أكاديمية، وكل تدخل إعلامي متزن، يضيف لبنة إلى البناء الذي تسهر عليه المؤسسات الرسمية.

إن الدبلوماسية الواثقة من نفسها لا تخشى تعدّد الأصوات الوطنية، بل تستثمر فيها. لأنّها تدرك أن قوة الدولة لا تكمن فقط في خطابها الرسمي، وإنّما أيضا في مصداقية أولئك الذين يدافعون عنها من خارج المؤسسات، بدافع القناعة لا بدافع التكليف. ولهذا، فإن إشراك الفاعلين الثقافيين والإعلاميين والجمعويين في المناسبات الوطنية لا ينبغي أن يفهم باعتباره مجاملة، وإنما باعتباره اعترافا بدورهم في خدمة الصالح العام. فالاحتفاء بمن يخدم الوطن هو احتفاء بقيم المواطنة نفسها.

إنّ الدّول التي تنجح في توحيد جهود مؤسساتها الرسمية وقواها المجتمعية هي الأكثر قدرة على كسب معارك التأثير، لأن الدبلوماسية الحقيقية لا تبنى على الحضور الرسمي وحده، بل على الثقة المتبادلة، والانفتاح، واحترام الكفاءات، وإيمان الدولة بأنّ أبناءها، أينما كانوا، يمثلون ثروة استراتيجية لا ينبغي التفريط فيها. ولعل أجمل ما يمكن أن تحمله المناسبات الوطنية في الخارج هو أن يشعر كلّ مغربي، مهما كان موقعه، أن الوطن يراه، ويقدر جهده، ويفتح له أبواب المشاركة. فالدولة التي تحتضن طاقاتها تكسب ولاءها، والدبلوماسية التي تصغي إلى مثقفيها وإعلامييها تكسب احترام العالم.

إن المستقبل لن يكون للدبلوماسية التي تكتفي بالمراسيم، بل للدبلوماسية التي تجعل من الثقافة قوة، ومن المعرفة نفوذا، ومن الإنسان أفضل استثمار. وعندما تلتقي المؤسسة الرسمية مع النخب الفكرية والإعلامية في مشروع وطني واحد، يصبح الاحتفال بالمناسبات الوطنية أكثر من لحظات رمزية؛ يصبح إعلانا متجددا بأنّ الوطن لا يبنى بالمؤسسات وحدها، وإنّما أيضا بأبنائه الذين يحملونه في الفكر والكلمة والموقف. الثقافة ليست زينة للدبلوماسية، بل هي روحها. وليست النخب الوطنية ضيوفا على المشهد الدبلوماسي، بل أحد أعمدته الهادئة، التي قد لا ترى دائما، لكنّها تظل من أكثرها أثرا في ترسيخ صورة الوطن، وصيانة مصالحه، وإبقاء صوته حاضرا في الضمير الدولي.

ولهذا، فإن ترسيخ ثقافة الانفتاح على الكفاءات الوطنية، والاحتفاء بمن يجعلون من الدفاع عن الوطن رسالة يومية، هو خيار ينسجم مع التحولات التي تعرفها الدبلوماسية المعاصرة، ويعكس الثقة في المجتمع، ويمنح الاحتفالات الوطنية بعدها الحقيقي بوصفها مناسبة يلتقي فيها الوطن بكل أبنائه، لا ببعضهم. الوطن لا يكبر بالإقصاء، بل يتسع بالاحتضان. والدبلوماسية لا تقوى بالانغلاق، بل تزداد تأثيرا كلما أحسنت توظيف رأسمالها الثقافي والفكري والإنساني. وعندما تصبح الثقافة شريكا للدبلوماسية، ويصبح المثقف والإعلامي والفاعل المدني جزءا من المشهد الوطني في الخارج، فإنّ صورة الوطن تزداد إشراقا، ورسائله تصبح أكثر عمقا ورسوخا في وجدان العالم.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *