صفحة جديدة في العلاقات المغربية الفرنسية؟

بقلم الإعلامي حيمري البشير,كوبنهاغن – الدنمارك

تعد زيارة الوزير الفرنسي الأول لوكارنو إلى المملكة المغربية محطة سياسية بارزة قد تؤسس لمرحلة جديدة في العلاقات بين الرباط وباريس، بعد سنوات من الفتور وسوء الفهم. وتكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة بالنظر إلى الملفات التاريخية والإستراتيجية التي تجمع البلدين، وفي مقدمتها الإرث الاستعماري وما خلّفه من إشكالات حدودية لا تزال تلقي بظلالها على المنطقة.

ويرى كثير من المتابعين أن من بين أبرز القضايا التي تستحق إعادة القراءة، ملف الحدود التي رسمتها الإدارة الاستعمارية الفرنسية خلال فترة احتلالها للمغرب والجزائر، وما ترتب عنها من اقتطاع مناطق يعتبرها عدد من الباحثين والمؤرخين جزءا من المجال الترابي المغربي، قبل أن تُلحق بالإدارة الجزائرية آنذاك. وتثار في هذا السياق تساؤلات حول ما إذا كانت باريس تمتلك وثائق وأرشيفا يمكن أن يسهم في توضيح بعض الجوانب التاريخية المتعلقة بترسيم تلك الحدود، وما إذا كان فتح هذا الأرشيف قد يضيف معطيات جديدة إلى النقاش القانوني والتاريخي حول ما يُعرف بالصحراء الشرقية.

ومن هذا المنطلق، يعتبر أصحاب هذا الرأي أن أي وثائق رسمية قد تكشف مستقبلا ستكون ذات أهمية بالغة في تعزيز القراءة التاريخية للملف، وقد تستثمر في إطار المسارات القانونية والدبلوماسية، دون أن يعني ذلك بالضرورة إحداث تغيير مباشر في الوضع القانوني القائم، الذي تحكمه قواعد القانون الدولي والاتفاقيات المعمول بها.

وفي المقابل، يعتقد هؤلاء أن الجزائر تنظر بعين الحذر إلى أي تقارب إستراتيجي بين المغرب وفرنسا، خاصة في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة، والتطورات المرتبطة بقضية الصحراء، وما عرفه الموقف الدولي من دعم متزايد لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب باعتبارها أساسًا جادًا وذا مصداقية للتوصل إلى حل سياسي، وفق ما ورد في قرارات مجلس الأمن المتعاقبة. كما يرى أصحاب هذا الطرح أن جبهة البوليساريو تواجه اليوم تحديات سياسية ودبلوماسية متزايدة، في ظل تغير مواقف عدد من الدول، وتراجع الدعم الذي كانت تحظى به خلال العقود الماضية، وهو ما يفرض واقعًا جديدًا قد يدفع مختلف الأطراف إلى إعادة تقييم مواقفها.

أما على مستوى العلاقات المغربية الفرنسية، فإن المؤشرات توحي بوجود إرادة مشتركة لإعادة بناء شراكة إستراتيجية أكثر متانة، تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل والتنسيق في الملفات الإقليمية والدولية، وهو ما قد ينعكس إيجابًا على التعاون الاقتصادي والأمني والاستثماري بين البلدين. وتبقى العلاقات المغربية الجزائرية رهينة قدرة الطرفين على تغليب منطق الحوار على التصعيد، لأن أي توتر جديد لن يخدم سوى تعميق حالة عدم الاستقرار التي تعرفها المنطقة. فالمغرب يؤكد باستمرار تمسكه بالمسارات الدبلوماسية والقانونية في الدفاع عن مصالحه الوطنية، بينما يبقى مستقبل المنطقة مرتبطًا بإرادة سياسية تضع السلام والتنمية فوق الحسابات الضيقة.

ويبقى السؤال المطروح: هل ستفتح هذه الزيارة الباب أمام قراءة جديدة لبعض ملفات الماضي، أم أنّها ستظل في إطار تعزيز الشراكة الثنائية بين الرباط وباريس دون أن تمتد آثارها إلى الملفات الحدودية المعقدة؟ وحدها التطورات المقبلة كفيلة بالإجابة عن هذا السؤال، في منطقة لا تزال تعيش على وقع تحولات جيوسياسية متسارعة، تجعل من كل خطوة دبلوماسية حدثا تتجاوز آثاره حدود البلدين إلى مجمل الفضاء المغاربي.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *