نداء إلى الجالية المغربية بالديار الإيطالية وإلى جميع مغاربة العالم
بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء
هناك لحظات في حياة الشعوب تختبر فيها أخلاقها أكثر مما تختبر فيها عواطفها. فليس كل حزن يحتاج إلى صخب، وليس كل غضب يقود إلى العدالة. إن بعض القضايا الكبرى لا تزداد وضوحا كلّما ارتفعت الأصوات، بل قد يبتلعها الضجيج حتى تضيع معالمها. فبعض المواقف في حياة الأمم والجاليات يكون فيها الهدوء شجاعة، ويكون التريث موقفا أخلاقيا، ويصبح احترام القانون فضيلة لا تقل شأنا عن المطالبة بالعدالة.
لقد آلمنا وهزّنا جميعا رحيل المواطن المغربي عبد الرحيم فاكر أثناء عملية توقيف بمدينة بولونيا الإيطالية, وفي ظروف تستوجب الوقوف عندها بكل مسؤولية. ولا يمكن لأيّ ضمير حي إلاّ أن يشعر بالحزن أمام فقدان روح بشرية ويتمنّى أن تكشف الحقيقة كاملة، وأن تعرف ملابسات الوفاة دون زيادة أو نقصان، وأن يحاسب كل من يثبت القانون مسؤوليته، أيا كان موقعه أو صفته. لكن بين الرغبة في العدالة، والرغبة في إصدار الأحكام، مسافة اسمها دولة القانون. هذه المسافة هي التي تميز المجتمعات التي تؤمن بالمؤسسات عن المجتمعات التي تحاكم الناس في ساحات الانفعال. إنّ أخطر ما يمكن أن نفعله اليوم هو أن نستبدل التحقيق بالتخمين، والقضاء بالرأي العام، والأدلّة بالعاطفة. فالعاطفة نبيلة حين تواسي، لكنّها تصبح خطيرة حين تدّعي امتلاك الحقيقة.
عزيزي القارىء… الحزن شيء، وإصدار الأحكام شيء آخر. لا يجب أن تتحول العاطفة إلى قاض، ولا الغضب إلى محكمة قبل أن يقول القضاء كلمته. إن أخطر ما يمكن أن يصيب العدالة ليس الظلم وحده، بل استعجال الحقيقة. لسنا شهودا على ما وقع. ولسنا رجال الشرطة الذين باشروا التوقيف. ولسنا أفراد الإسعاف الذين حضروا إلى المكان. ولم نكن شهودا على دقائق ما حدث. ولسنا القضاة الذين سيطالعون الملف بكل تفاصيله. فإذن، من أين جاءت هذه الثقة المطلقة في روايات لم تستكملها التحقيقات بعد؟ وبأيّ يقين نصدر أحكاما نهائية؟
الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو كان يرى أن العدالة لا تقوم إلا عندما تستقل عن الأهواء. أما أرسطو فكان يعتبر أن الفضيلة ليست في الإفراط ولا في التفريط، وإنما في الاعتدال. ولو عاشا بيننا اليوم، لقال إن الانفعال الشعبي مفهوم، لكنّه لا ينبغي أن يتحول إلى إدانة مسبقة، ولا إلى تبرئة مسبقة. ولقد علّمتنا الفلسفة، منذ سقراط، أن أول أبواب الحكمة هو الاعتراف بحدود معرفتنا. وما أجمل قوله الذي بقي خالدا عبر القرون: “أعلم أني لا أعلم.” إن الاعتراف بعدم امتلاك الصورة الكاملة ليس ضعفا، بل هو قمة النزاهة الفكرية. إنّ العدالة لا تبنى على الانطباعات، بل على الوقائع وبقوة الأدلة. ولهذا فإن انتظار نتائج التحقيق ليس تراجعا عن نصرة الضحية، بل هو احترام لحقّها في أن تبنى قضيتها على الحقيقة، لا على الانفعال. فالحقيقة ليست شجرة تنبت في التعليقات، ولا ثمرة تقطف من مقاطع فيديو مجتزأة، ولا نارا يشعلها منشور غاضب. الحقيقة بناء قانوني وأخلاقي، له أدواته، وله إجراءاته، وله مؤسساته.
ولذلك, قارئي الكريم, فإنّ احترام القضاء ليس انحيازا إلى السلطة، كما أنّ انتظار نتائج التحقيق ليس تخليا عن الضّحية. بل هو انحياز إلى الحقيقة نفسها. ولا ينبغي أن تتحول مأساة إنسانية إلى مناسبة لتأجيج التوتر بين الجالية المغربية والسلطات الإيطالية. فإيطاليا ليست خصما للجالية المغربية، كما أن الجالية ليست خصما للدولة الإيطالية. بين الطرفين سنوات طويلة من العمل المشترك، والاحترام المتبادل، والاندماج، والعطاء. وما بنته عقود من الثقة لا ينبغي أن تهدمه ساعات من الغضب. إنّ من السهل إشعال النار، لكن من الصعب إخمادها. ولهذا قال أجدادنا: “الكلمة إذا خرجت من فم صاحبها، صار أسيرها.” وقالوا أيضا: “الرأي قبل شجاعة الشجعان.” لأن الحكمة كانت دائما تقدَّم على الحماسة .وقد علمتنا الحضارة المغربية، عبر قرون طويلة، أن “العجلة من الشيطان، والتؤدة من الرحمن.” وعلّمتنا حكمتنا الشعبية أن “الزين ما يكمل حتى يكمل كلامه.”
فلا ينبغي أن نستبق نهاية الرواية قبل أن تكتب فصولها الأخيرة. إن الأسرة المكلومة هي صاحبة الحق الأول في المطالبة بالحقيقة، وفي سلوك جميع المسارات القانونية التي يكفلها القضاء الإيطالي. أما نحن، فواجبنا الأخلاقي أن نساندها بالدعاء، وبالاحترام، وبالثقة في المؤسسات، لا بأن نحمل عنها أدوارا ليست لنا. لقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي، في كثير من الأحيان، محاكم بلا قضاة، وأحكام بلا ملفات، وإدانات بلا براهين. وهذه ليست عدالة، بل صورة أخرى من صور الفوضى. القانون لا يعمل تحت ضغط الانفعالات، بل تحت سلطان الوقائع. ومن حق الجميع أن يطالب بالشفافية، لكن ليس من حق أحد أن يصادر نتائج التحقيق قبل أن تبدأ.
ولعلّ أكثر ما يقلقني, كمغربية أولا, وكمغتربة مسؤولة ثانيا, ليس اختلاف الآراء، فالاختلاف سنة من سنن الحياة، وإنما تحويل هذه الفاجعة الإنسانية إلى وقود لإشعال نار الكراهية بين الجالية المغربية والسلطات الإيطالية، أو إلى مناسبة لبناء جدران من الشك بين شعبين جمعتهما عقود من التعايش والعمل والاحترام المتبادل. إن الفتنة، كما قال أسلافنا، إذا أقبلت عرفها العلماء، وإذا أدبرت عرفها الجميع. وكم من كلمة كتبت تحت وطأة الغضب، كانت أشد فتكا من رصاصة. إن المغرب، الذي ننتمي إليه، لم يكن عبر تاريخه مدرسة في التهوّر، بل كان مدرسة في الحكمة والاتّزان. ونحن، أبناء الجالية المغربية، نمثل وطنا عريقا أينما كنّا، ولا يجوز أن تكون ردود أفعالنا سببا في تشويه صورته أو في تعميق هوة بين مجتمع احتضننا، ووطن نحمله في قلوبنا. بل إنّنا ورثة دولة ضاربة الجذور في التاريخ، قامت على الحكمة قبل القوة، وعلى الاعتدال قبل الاندفاع، وعلى الوفاء للمؤسسات واحترام القضاء. وما أحوجنا اليوم إلى أن نعكس هذه الصورة الحضارية في خطابنا وسلوكنا، حتى نظل سفراء لوطننا كما ينبغي أن يكون السفراء. إنّ قوة الجالية لا تظهر عندما ترتفع الأصوات، وإنّما عندما ترتفع المسؤولية. وقيمة الإنسان ليست بقدرته على الاتهام، بل بقدرته على الإنصاف. فلا يجوز أن نسمح لواقعة واحدة – مهما كانت مؤلمة – بأن تتحول إلى عدسة سوداء نرى بها كل شيء. أمّا الحقيقة، فهي كالشمس؛ قد يحجبها الغيم لبعض الوقت، لكنّها لا تغيب. فلنترك إذن للقضاء أن يؤدي رسالته، وللمحققين أن ينجزوا عملهم، وللقانون أن يأخذ مجراه. فإن ثبت خطأ، فالمحاسبة واجبة، وإن ثبت غير ذلك، فالحقيقة أيضا تستحق أن تحترم. ليس كلّ تأخير إنكارا للعدالة، كما أن ليس كل استعجال طريقا إليها.
– لسنا مطالبين بإطفاء نار العدالة. بل بإطفاء نار الفتنة
– لسنا مطالبين بالصمت عن الحقيقة. بل بالصمت عن الظنون حتى تتكلم الحقيقة
ولعل أجمل ما نختم به هو ما قاله الإمام علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: “لا تعرف الحق بالرجال، ولكن اعرف الحق تعرف أهله.” لا نملك إلا أن نترحّم على الفقيد، ونسأل الله أن يربط على قلوب أسرته… فلنمنح الحقيقة حقّها في أن تولد كاملة، لا مشوّهة بعواطفنا، ولا مثقلة بأحكامنا المسبقة؛ وأن يكون العقل، لا الغضب، هو البوصلة التي تهدي خطواتنا. فالجالية تحتاج في هذه اللحظات إلى ضمير يقظ، وإلى قضاء مستقل يقول كلمته، ثم يمضي الجميع خلفها باحترام، لأنّ الحضارات تبنى بالثقة في المؤسسات، لا بالعيش الدائم في محكمة الظّنون.
