الصواريخ الإيرانية الدقيقة… منطق الردع

بقلم د, عبد الرحمن مكاوي-باريس

في عالم تتغير فيه خرائط النفوذ قبل أن تتغير حدود الجغرافيا، لم تعد الصواريخ مجرد أدوات عسكرية تحمل رؤوسا متفجرة، بل أصبحت رسائل استراتيجية عابرة للقارات، تختصر في مساراتها الباليستية حسابات الردع، وموازين القوة، وصراع الإرادات بين القوى الإقليمية والدولية. ضمن هذا السياق، تبرز عائلة الصواريخ الإيرانية قصيرة ومتوسطة المدى، وفي مقدمتها زولفقار وحاج قاسم، باعتبارها جزءا من مسار تطويري متدرج بدأ من منظومات مثل زلزال، مرورا بـ فاتح-110، وصولا إلى أجيال أكثر تطورا من حيث المدى والدقة والقدرة على المناورة. وهي منظومات تعكس توجها إيرانيا نحو بناء قدرة صاروخية محلية تشكل أحد أعمدة عقيدتها الدفاعية.

ينتمي صاروخ زولفقار إلى عائلة الصواريخ الإيرانية التي تعتمد على الوقود الصلب، ويبلغ مداه المعلن نحو 700 كيلومتر، ما يجعله مصمما بالأساس لاستهداف مواقع استراتيجية داخل المجال الإقليمي، بما في ذلك منشآت عسكرية، ومطارات، ومراكز لوجستية. أما صاروخ حاج قاسم، الذي يحمل اسم قائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني، فيمثل طبقة أبعد مدى، إذ يعلن الإيرانيون أن مداه يصل إلى نحو 1400 كيلومتر، ما يمنحه قدرة على تهديد نطاق جغرافي أوسع.

لكن أهمية هذه المنظومات لا تكمن فقط في الأرقام التقنية، بل في الفلسفة العسكرية التي تقف خلفها. فطهران تنظر إلى القوة الصاروخية باعتبارها وسيلة لتعويض الفارق في القدرات الجوية التقليدية مقارنة بخصوم يمتلكون تفوقا جويا وتكنولوجيا عسكرية متقدمة. لذلك تطورت العقيدة الإيرانية باتجاه ما يمكن وصفه بمنطق “توزيع الألم”، أي امتلاك قدرة على فتح جبهات استهداف متعددة تجعل أي خصم يفكر طويلا قبل الإقدام على مواجهة مباشرة.

وفق هذا التصور، يؤدي صاروخ حاج قاسم دور الردع بعيد المدى، عبر توسيع دائرة التهديد لتشمل قواعد ومنشآت عسكرية أمريكية في الخليج، بينما يركز زولفقار على الاستخدامات العملياتية الإقليمية، حيث تمنح دقته وقدرته على إصابة أهداف محددة قيمة تكتيكية في سيناريوهات الصراع المحدود. وتدرك القوى الإقليمية والدولية أن المعركة الحديثة لم تعد تقاس فقط بعدد الطائرات والدبابات، بل بقدرة الدولة على حماية عمقها الاستراتيجي وتهديد عمق خصومها. ومن هنا أصبح البرنامج الصاروخي الإيراني أحد الملفات الأكثر حساسية في حسابات الأمن الإقليمي، لأنه يعيد تعريف مفهوم الردع في منطقة تشهد تنافسا حادا بين مشاريع النفوذ المختلفة.

غير أن انتشار هذه القدرات يفتح في الوقت نفسه بابا واسعا أمام سباق تسلح جديد، حيث يدفع امتلاك منظومات هجومية متقدمة الخصوم إلى تطوير منظومات دفاعية أكثر تعقيدا، مثل أنظمة الاعتراض الصاروخي، وهو ما يزيد من تعقيد البيئة الأمنية في الشرق الأوسط. إن صواريخ مثل زولفقار وحاج قاسم لا تمثل فقط تطورا تقنيا في الصناعات العسكرية الإيرانية، بل تجسد تحولا في طريقة إدارة الصراع. فالصاروخ في القرن الحادي والعشرين لم يعد مجرد قطعة من المعدن تنطلق نحو هدف بعيد، بل أصبح لغة سياسية مشفرة، تحمل رسائل القوة والردع، وتختبر قدرة الخصوم على قراءة المستقبل قبل وقوع المواجهة. إن قيمة هذه المنظومات لا تقاس فقط بمدياتها، بل بموقعها داخل المعادلة الكبرى: معادلة الخوف، والردع، وحسابات اليوم التالي لأي مواجهة محتملة. فحين يصبح الصاروخ أداة تفاوض قبل أن يكون أداة حرب، تكون الرسالة التي يحملها أوسع من المسافة التي يقطعها.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *