بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة – باريس
كان العرب يقولون إن الليل هو الحارس الأخير للماء. ولم يكن ذلك مجرد وصف لشطر من الزمن، بل كان عقيدة قديمة آمنت بها الأشجار قبل أن يؤمن بها البشر. فما إن تغيب الشمس حتى تبدأ الأرض في استرداد أنفاسها، وتنزل البرودة مثل صلاة صامتة فوق الحقول، وتنسج الرطوبة على أوراق الغابات وشاحا شفافا لا تراه العين، لكنه يكفي لأن يقنع النار بأن موعد نومها قد حان. لهذا، كانت الحرائق تعرف حدودها. وكان اللهب، مهما اشتد، يحمل في داخله يقينا خفيا بأن الليل سيأتي ليعيد العالم إلى توازنه. لكن يبدو أن الأرض، في هذا القرن، فتحت كتابا آخر. كتابا لا يشبه ما قرأه الإنسان منذ أن اكتشف الزراعة، ولا ما حفظته الذاكرة منذ أن وقف أول راع على قمة جبل يتأمل الغابات وهي تتنفس مع الغروب.
لقد أعلنت النار استقلالها عن الفصول. ولأول مرة منذ أن بدأت الأشجار تعد أعمارها بالحلقات المختبئة في جذوعها، صار الليل يعبر الغابات دون أن يحمل الماء في جيوبه. لم يعد الظلام خصما للنار. صار رفيقها. وصار الفجر يأتي متأخرا عن الحرائق، لا لأنها أسرع منه، بل لأن الزمن نفسه أصبح يلهث وراءها. إننا لا نشهد مجرد موسم صيف قاس. ولا مجرد موجة حر استثنائية. بل نقف أمام انقلاب هادئ في دستور الطبيعة. فالليل، الذي كان عبر آلاف السنين نصف الحقيقة، لم يعد يعرف وظيفته القديمة. كأنه فقد ذاكرته. وكأن الأرض، وهي تنظر إلى الإنسان، قررت أن تعيد كتابة قوانينها بلغة لا تحتاج إلى مترجم.
في فرنسا، لم تعد فرق الإطفاء تنتظر حلول الليل كما كان يفعل رجال الإطفاء في العقود الماضية. كانوا يعرفون أن الشمس، مهما بلغت قسوتها، ستتعب مع الغروب، وأن البرودة ستتقدم ببطء مثل جيش من الندى، فتبدأ النيران في التراجع، وتستعيد الغابات شيئا من توازنها. أما اليوم، فإن الليل نفسه صار امتدادا للنهار. الحرارة تبقى معلقة في الهواء كأنها نسيت طريق العودة إلى السماء. والرطوبة تنسحب من الأشجار كما ينسحب الدم من جسد أنهكه النزيف. أما النار، فقد تعلمت أن ترى في الظلام. لم تعد تحتاج إلى الشمس كي تستمر. صارت تحمل شمسها الخاصة. ولهذا، لم يعد رجل الإطفاء يحارب ساعات النهار وحدها، بل أصبح يدخل الليل وهو يعلم أن خصمه لم ينم. وأن الغابة التي كانت تمنحه فرصة لالتقاط أنفاسه، أصبحت ميدانا آخر للحرب. إنها ليست حربا بين الإنسان واللهب. إنها حرب بين ذاكرة الأرض ومستقبلها.
غير أن فرنسا ليست سوى صفحة من كتاب أكبر. فحين ينظر المرء إلى خارطة البحر الأبيض المتوسط من الأعلى، لا يرى حدود الدول بقدر ما يرى خيطا واحدا من النار يمتد بين القارات. البحر الذي سماه الرومان “بحرنا”، وسماه العرب “البحر الأبيض”، وسماه الإغريق مهد الحضارات، يبدو اليوم كأنه مرآة عملاقة تعكس وجها جديدا للكوكب. من جنوب فرنسا إلى إسبانيا. ومن إيطاليا إلى اليونان. ومن الجزائر إلى تونس. ومن المغرب إلى الضفة الأخرى. تتشابه ألسنة اللهب أكثر مما تتشابه اللغات. وكأن الأشجار، التي قسمت السياسة أوطانها، استعادت أخيرا جنسيتها الأولى. جنسية الأرض. فالريح التي تحمل الشرارة لا تتوقف عند المعابر الحدودية. والدخان لا يحتاج إلى تأشيرة. والرماد لا يعرف أسماء العواصم. إن الطبيعة لا تعترف بالخرائط التي رسمها البشر. تعترف فقط بالجغرافيا التي رسمتها الرياح.
في الجزائر، تتكرر الحرائق عاما بعد عام، حتى أصبحت بعض الجبال تحفظ أسماء رجال الإطفاء أكثر مما تحفظ أسماء القرى. وفي تونس، تتقدم النيران نحو الغابات كما لو أنها تقرأ طريقها من كتاب قديم كتب بالحبر الأحمر. أما المغرب، فقد أدرك منذ سنوات أن المناخ لم يعد قضية بيئية فقط، بل أصبح قضية سيادة وأمن واستعداد دائم. ولهذا استثمر في منظومة متطورة لمكافحة الحرائق، وعزز قدراته الجوية بطائرات الكانادير، وطور آليات التدخل السريع، انطلاقا من قناعة أن الكوارث الطبيعية لم تعد أحداثا استثنائية، بل صارت جزءا من معادلة الأمن الإنساني. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح السؤال أكبر من السياسة. هل تستطيع النار أن تفرق بين شجرة مغربية، وأخرى جزائرية، وثالثة تونسية؟ هل تسأل الغابة عن العلم الذي يرفرف فوقها قبل أن تحترق؟ وهل يعرف الدخان معنى الحدود؟ هنا، تتقدم الدبلوماسية إلى امتحانها الحقيقي. فليست الدبلوماسية أن تجلس الدول حول الموائد فقط، بل أن تلتقي أيضا حول خرائط اللهب. فالماء، حين يحمل لإنقاذ الأرواح، يفقد هويته السياسية، ويصبح لغة إنسانية لا تحتاج إلى ترجمة. وهكذا، تصبح طائرة إطفاء واحدة، وهي تعبر السماء، أكثر بلاغة من مئات البيانات الرسمية. لأن الحضارة لا تقاس بعدد الكلمات التي تقولها الدول عن حسن الجوار، بل بعدد المرات التي تجعل فيها إنسانية الجار تتقدم على خلاف السياسة.
يتبع في الجزء الثاني….
📲 Partager sur WhatsApp