بقلم الإعلامي حيمري البشير, بركان-المغرب
تكشف الأزمات الكبرى دائما حقيقة المواقف، وتضع الخطاب السياسي أمام امتحان لا ترحمه الذاكرة ولا يعفيه التاريخ. فمن السهل أن ترفع الحكومات شعارات الدفاع عن العدالة والشرعية الدولية، لكن الصعوبة تكمن في أن تظل تلك المبادئ ثابتة عندما تتعارض مع الحسابات السياسية أو المصالح الاستراتيجية. لقد حظي رئيس الحكومة الإسبانية بتقدير واسع داخل العالم العربي، بل وحتى داخل الأوساط الحقوقية الدولية، بسبب مواقفه المتقدمة تجاه المأساة الإنسانية في غزة، وإدانته الواضحة للانتهاكات التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، في وقت اختارت فيه حكومات أوروبية كثيرة لغة أكثر تحفظا، أو فضلت الصمت تحت وطأة الحسابات السياسية.
غير أن هذا الرصيد الأخلاقي يتعرض للاهتزاز عندما يتعلق الأمر بملف سبتة ومليلية. فهنا يبرز تناقض يصعب على كثير من المغاربة استيعابه. إذ كيف يمكن الدفاع عن حق شعب في إنهاء الاحتلال، وفي الوقت نفسه التمسك برؤية مغايرة عندما يتعلق الأمر بمدينتين يعتبرهما المغرب جزءا من سيادته التاريخية؟ إن القضية هنا ليست مجرد خلاف دبلوماسي، بل هي مسألة اتساق أخلاقي وسياسي. فالمبادئ لا تكتسب قيمتها من حسن صياغتها في الخطب، وإنما من قدرتها على الصمود أمام اختلاف الملفات. أما حين تصبح الشرعية الدولية قابلة للتجزئة، فإنها تفقد كثيرا من قوتها المعنوية. ولا تزال أحداث سبتة تترك أثرا عميقا في الوجدان المغربي. فالصور التي وثقت سقوط ضحايا خلال تلك الأحداث رسخت في الذاكرة الجماعية شعورا بالألم، وأثارت أسئلة صعبة حول حدود المسؤولية السياسية والإنسانية، وحول مدى انسجام الخطاب الحقوقي مع الممارسة على أرض الواقع. ومهما اختلفت القراءات السياسية لتلك الوقائع، فإن قيمة الإنسان يجب أن تبقى فوق كل اعتبار، وأن تكون حماية الأرواح هي الأولوية المطلقة.
لقد أثبت التاريخ أن العلاقات بين الدول لا تبنى فقط على المصالح الاقتصادية، مهما بلغت أهميتها، وإنما تقوم أيضا على الثقة والاحترام المتبادل والوضوح في المواقف. فالمصالح تتغير بتغير الظروف، أما المبادئ فهي التي تمنح العلاقات استقرارها واستمراريتها. ولا شك أن العلاقات المغربية الإسبانية تمتلك من العمق التاريخي والجغرافي والإنساني ما يجعلها أكبر من الخلافات الظرفية. فالبلدان يتقاسمان فضاء متوسطي واحدا، ويرتبطان بشبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والأمنية والثقافية، كما تجمع الشعبين روابط إنسانية متينة صنعتها عقود طويلة من التعايش والتعاون. غير أن قوة هذه العلاقات لا تعني إلغاء الملفات العالقة، ولا تبرر تجاهل القضايا التي يعتبرها المغاربة جزءا من سيادتهم الوطنية. فالقضايا الكبرى لا تموت بالتقادم، ولا تلغيها اعتبارات الظرف السياسي، وإنما تظل حاضرة في وجدان الشعوب إلى أن تجد طريقها إلى حلول قائمة على الحوار والاحترام المتبادل.
إن المغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، يؤكد باستمرار تمسكه بخيار الحوار والحكمة في معالجة القضايا الاستراتيجية، انطلاقا من إيمانه بأن حسن الجوار والاحترام المتبادل يشكلان الأساس المتين لبناء مستقبل مشترك بين البلدين. ولذلك، فإن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون على إدارة الخلافات فحسب، بل على معالجتها بروح سياسية تستحضر التاريخ ولا ترتهن له، وتحترم القانون الدولي دون انتقائية، وتعترف بأن استقرار الضفة الجنوبية والشمالية للمتوسط يقتضي شراكة تقوم على الصراحة والثقة والمصالح المتوازنة. إن الشعوب لا تنسى تاريخها، لكنها تدرك أيضا أن المستقبل يصنع بالحكمة أكثر مما يصنع بردود الأفعال. وسيظل الأمل قائما في أن تنتصر لغة الحوار على منطق التوتر، وأن تظل العلاقات المغربية الإسبانية نموذجا للتعاون، دون أن يكون ذلك على حساب الثوابت الوطنية أو المبادئ التي تؤمن بها الشعوب. فالتاريخ لا يكتب فقط بما تقرره الحكومات، بل بما تحتفظ به ذاكرة الأمم من مواقف، وبما تتركه تلك المواقف من أثر في الضمير الجمعي للأجيال.
📲 Partager sur WhatsApp